...............تنعى هيئة الموسوعة العربية الأستاذة الدكتورة نجدة خماش، رئيسة قسم الحضارة العربية سابقاً، والخبيرة في موسوعة الآثار حالياً...............صدور المجلد الثاني عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة بعنوان الأمراض العصبية ...............المدير العام لهيئة الموسوعة العربية الأستاذ الدكتور محمود السيد...............صدر المجلد الحادي عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة ويتضمن أمراض الرأس ...............صدر المجلد العاشر من الموسوعة الطبية المتخصصة وهو بعنوان: الأمراض النَّفسيّة ...............إلى زوار موقع هيئة الموسوعة العربية الكرام، نلفت عنايتكم إلى أنه لا يوجد حساب لهيئة الموسوعة العربية على أي من مواقع التواصل الاجتماعي...............صدر المجلد السابع والأخير من الموسوعة القانونية المتخصصة ...............دور النشر والمكتبات المعتمدة لتوزيع الموسوعة العربية

المجلد الأول >> العلوم الإنسانية>> التاريخ و الجغرافية و الآثار >> الآثار

الآثار Archeology Archéologie

الآثار (علم ـ)

 

يهتم علم الآثار Archeology بدراسة ما تركه الإنسان من أشياء مادية بدءاً من الأدوات التي صنعها من مواد خام لمواجهة متطلبات الحياة من معيشة ومسكن وغير ذلك، وانطلاقاً من أن هذه الأدوات تبقى بعده أثراً دالاً على تجربته ومؤرخة عصره. وإذا كان من الصعب الوصول إلى تعريف دقيق يفصل بين علم التاريخ وتاريخ الفن وعلم الآثار، فإن من الممكن تحديد ميدان علم الآثار بأنه الكشف عن الأثر الإنساني المادي ودراسته وجلاء البيئة التي وجد فيها واستخلاص كل المدلولات الممكنة منه. ولايبتعد هذا التحديد لعلم الآثار كثيراً عن الدلالة التي استعملت لها قديماً الكلمة اليونانية «أركيولوجية» التي اعتمدتها اللغات الأوربية وكانت تعني «علم القديم»، وتحديد الزمن الذي يتوقف عنده علم الآثار مختلف عليه. فبعضهم يرى أن مهمته يجب أن تنحصر في دراسة زمن الشعوب التي لم تكن تعرف القراءة والكتابة، ويتوقف بعضهم الآخر بعلم الآثار عند عصر النهضة الأوربية. ولكن أكثر الدول تعد الآن أثرياً كل ما وجد قبل مئة عام أو مئتين.

وفي جميع الأحوال يعد علم الآثار فرعاً من الدراسات التاريخية أو بمعنى آخر هو علم تاريخي. ومن الصعب وضع حد يفصل علم التاريخ عن علم الآثار. والواقع أن البحث الأثري بحث تاريخي أولاً وقبل كل شيء.

إن مخلفات الإنسان مختلفة الأشكال. فإذا كانت فنية أو معمارية فإنها تدخل في ميدان تاريخ الفن، ويهتم بها علم الآثار كذلك، لا من أجل جمالها، بل لأنها شواهد على النشاط البشري ودلائل على نمط في العيش والتفكير. وباختصار فإن عالم الآثار يدرس هذه المخلفات بصفتها وثائق تنتمي إلى حضارة معينة، وقد تكون لقطعة أثرية صغيرة قيمة لديه تفوق قيمة تمثال رائع إذا كانت هذه القطعة توضح له أموراً مهمة عن الإنسان الذي استعملها.

ولما كان الهدف الأساسي لعلم الآثار كشف ماضي الجماعات الإنسانية، فإن بعضهم يرى أنه من مشتقات الأنتروبولوجية، ولعل في ذلك شيئاً من الحقيقة لأن علم الآثار يتداخل مع علوم كثيرة وفيه من التعقيد والتنوع ما يماثل ما عليه الإنسان ومجتمعه وإنتاجه المادي والثقافي.

تاريخ علم الآثار:

     يتناول البحث هنا: العرب وعلم الآثار، وعلم الآثار في العالم الغربي، والتنقيب عن الآثار في سورية.

العرب وعلم الآثار:

     كثيراً ما تغفل المؤلفات الأثرية، عند البحث في تاريخ علم الآثار، الإسهام العربي في تأسيس هذا العلم، مع أن المؤرخين والإخباريين والجغرافيين والرحالة والكتاب العرب يذكرون نبذاً قليلة أو كثيرة عن أوابد وأطلال أثرية في أكثر أجزاء العالم القديم، من حدود الصين إلى الأندلس. وفضلاً عن الأخبار التي وردت في مجال الاستكشاف المتعدد الأهداف والدوافع، فقد كانت لدى العرب بعثات استكشاف مقصودة لذاتها. ومن ذلك بعثات أرسلها الخليفة الواثق لاستكشاف سواحل بحر الخزر و«سد يأجوج ومأجوج» (سور الصين كما كانوا يعتقدون) ومدينة الرقيم. كما كان لديهم نوع من المتاحف يحفظون فيها آثاراً تاريخية، وقد احتفظ العباسيون بتحف تاريخية من مخلفات الأمويين، كما خصص الفاطميون بيوتاً للتحف التاريخية سموها «خزائن» كخزانة الجوهر، وخزانة الأسلحة، وخزانة الفرش. ومن ذلك ما أنشأه الخليفة المستنصر الفاطمي (ت 487هـ/1094م). وثمة شواهد، من عهود الأيوبيين والمماليك والعثمانيين في دمشق، على تدخل السلطة أو الأهلين أحياناً لإزالة المخالفات الأثرية، ومنع تغيير معالم الآثار. وبعض المؤلفات التاريخية العربية لها قيمة أثرية وصفية واضحة مثل كتاب «الأصنام» لابن هشام الكلبي (ت 204هـ/819م) الذي يتحدث عن نصب وآثار زالت ويصفها وصفاً دقيقاً من حيث مادتها وشكلها ومكانها.

     ويعد كتاب «الإكليل» للهمداني (ت 334هـ/945م) في صنعاء مصدراً أثرياً مهماً، يصف صاحبه فيه القلاع والقصور القديمة المنقوشة على الحجارة الأثرية.

     على أن أول آثاري عربي، بالمعنى الدقيق للكلمة، هو موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (565 - 629هـ/1162 - 1231م) الرحالة العالم والطبيب الجراح، ولايرقى إليه باحث في الآثار في الشرق أو في الغرب، فهو يصف الآثار، ويفصّل في ذلك، ويشرّح المومياء ويحللها بدقة، ويحاول معرفة موادها وأسرارها. وينقل البغدادي في كتابه «الإفادة والاعتبار» شيئاً عن موقف السلطات في الدولة العربية من الآثار الخاصة بهم أو التي سبقت عهودهم قائلاً: «وما زالت الملوك تراعي بقايا هذه الآثار وتمنع من العبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها، وكانوا يفعلون ذلك لمصالح منها لتبقى تاريخاً يُنتبه به على الأحقاب، ومنها أنها تدل على شيء من أحوال من سَلف وسيرتهم، وتعداد علومهم، وصفاء فكرهم وغير ذلك، وهذا كله مما تشتاق النفس إلى معرفته وتؤثر الاطلاع عليه...» وفي هذه العبارات تحديد سليم لأكثر مهمات علم الآثار في العصر الحديث.

ومن أشهر المواقف العربية إزاء الآثار موقف الشاعر أبو يَعْلَى المعري، وقد مر بخربة سياثَ وهي من القرى البائدة في محافظة إدلب فرأى شخصاً يحطم الأوابد الأثرية فقال أبياته المشهورة:

مررت برسم في سياث فراعني   

بـــه زَجَلُ الأحجارِ تحـت المعاول

تناولـها عَبْـــلُ الـــذراع كأنمـــا

رمى الدهر فيما بينهم حربَ وائل

فقلــــت لـه شلَّـــت يمينُك خلِّـها

لمعتبـــر أو زائـــــر أو مســـائـل

منـــازل قــــوم حدثتنا حــديثهم

ولــم أر أحلـى من حديث المنازل

ومن الرحالة والجغرافيين والمؤرخين الذين عنوا بوصف الآثار ابن خُردادْبة (ت 280هـ/ 893م) في وصفه رومة، واليعقوبي (ت بعد 292هـ/905م) في وصفه بغداد، وابن رستة (ت بعد 290هـ/903م) في تفصيله وصف الكعبة المشرفة والقسطنطينية وأهرامات مصر، والمسعودي (ت 346هـ/903م) في حديثه عن الآثار الساسانية والفسيفساء وبيوت النار والنقوش الصخرية الشهيرة وقبر الاسكندر، وعن آثار أنطاكية وهياكل بعلبك والجامع الأموي والمدافن الفرعونية بالتفصيل، وعن أعمال التنقيب السرية التي كان يقوم بها «أهل الدفائن» واكتشافهم التماثيل والأثاث المدفون والموميات والكتابات الهيروغليفية. ويليه ابن حوقل (ت 380هـ/990م) الذي أعاد شيئاً مما قاله من سبقه ولكنه يتميز عنهم بوصف قصر غمدان في صنعاء ووصف بعض مدن المغرب والهيكل الروماني العظيم في بالرمو بصقلية، كما وصف المدائن في فارس وصنم بوذا في الهند. أما ياقوت الحموي (ت 626هـ/1229م) فيتميز بوصف مواقع أثرية شهيرة كالرصاغة وقلعة صلاح الدين (صهيون عنده) ومدينة الحَضَر، ثم إن الهروي (ت 611هـ/1215)م وصف الأهرام بدقة في كتابه «الآثار والعجائب والأصنام»، كما وصف ابن جبير (ت 614هـ/1217م) القلاع والأطلال في العراق والشام وآثار مصر ومنارة الإسكندرية.

ومن بين الذين اهتموا بالآثار في القرن الثامن الهجري ابن فضل الله العمري (ت 749هـ/1348م) وابن بطوطة (ت 779هـ/1377م) والقلقشندي (ت 821هـ/1418م) وقد شمل وصف ابن بطوطة معظم أقطار العالم المعروف في عصره، وفصّل في وصف آثار القاهرة والإسكندرية وقبة الصخرة وقلعة حلب حتى أنه تكلم بالتفصيل عن الخزف الصيني.

علم الآثار في العالم الغربي: يُذكر هوميروس شاعر اليونان الشهير من أهل القرن التاسع قبل الميلاد على أنه أقدم الأثريين. ويعد بعض المتحمسين للتوراة أنها من المصادر الأثرية. ومن الأوائل الذين وصفوا الآثار اليوناني توقيديدس (القرن الخامس قبل الميلاد)، وكذلك هيرودوتس من حيث كونه رحالة، على أن الخيال يختلط بالواقع في رواياته.

وكان بوزانياس وكْزِنوفون واسترابون ممن وصفوا الأوابد الأثرية التي عرفوها في بلادهم اليونانية وخارجها. ويشير الروماني فيتروفيوس (القرن الأول ق.م) في مؤلفه الشهير عن فن العمارة إلى المنشآت اليونانية الكلاسيكية، وكذلك يفعل معاصره المؤرخ بلينوس (23 ـ 79م) في كتابه «التاريخ الطبيعي».

وعرفت القرون الوسطى الأوربية ميلاً للاطلاع على الآثار القديمة. وفي كتابات الرحالة ماركو بولو نهج في تتبع الآثار يشبه ما ألفه الرحالة العرب، وكان الفنان الشهير ليوناردو دافنشي يهتم بالآثار ويتساءل عن المستحاثات وأسبابها.

وفي عصر النهضة الأوربية عمت دراسة العلوم الإنسانية، ومنها دراسة مخلّفات الإنسان. فنشر الهولندي غروتر كتابات منقوشة جمعها من رومة، ومنها نصوص تركها تدمريون كانوا يعيشون فيها. ومارس جاك سبون من ليون في القرن السابع عشر للميلاد هواية العمل الأثري وصنّف الآثار تصنيفاً منطقياً. ومع ذلك فإن العلم كان مايزال في بدايته، حتى إن بعضهم كان يظن أن الأدوات الصوانية أحجارٌ أتت بها الصواعق. وفي القرن الثامن عشر بدأت هواية الآثار تجتذب الناس، وعم الإعجاب بما تركه القدماء، وظهر الميل إلى تقليد الأساليب القديمة في العمارة، ونشأ أسلوب الكلاسيكية الحديثة في العمارة، وانتشر وصف الآثار ورسمها والاستمتاع بها، ونشرها في كتب ضخمة بديعة المظهر يتباهى باقتنائها الأثرياء والمعاهد العلمية.

ولم يكتف الباحثون الأثريون في القرن الثامن عشر بزيارة الآثار ووصفها ورسمها بل دأب القادرون منهم على السفر،مثل الدبلوماسيين والرحالة الأغنياء، على اقتناء الآثار من الشرق والغرب وجلبها إلى بلادهم. وكان بعضهم يحتفظ بما يجلبه من المجموعات في أماكن خاصة بالمتاحف، كالأب الفرنسي بارتلمي مفسر الكتابات الفينيقية والتدمرية، الذي اقتنى من رومة مجموعات من الآثار لمصلحة «متحف المداليات» في باريس. ولابد من القول هنا إن أخذ المجموعات الأثرية بوسائل غير مشروعة من مواطنها قد أفقر التراث القومي للكثير من البلدان.

ويجدر في هذا الصدد ذكر رحلة الإنكليزيين وود ودوكنس إلى تدمر عام 1751م، وتأليفهما الكتاب الشهير «أطلال تدمر» الذي نشر بالإنكليزية والفرنسية عام 1753، ثم نشر مؤلفهما عن أطلال بعلبك بعد ذلك بأربع سنوات. وفي مطلع القرن الثامن عشر أسست في لندن أول جمعية أثرية. وقريباً من ذلك التاريخ بدأت أعمال التنقيب في بومبي وهركولانوم اللتين طمرهما بركان فيزوف قرب نابولي في إيطالية، وقد قام على هذه التنقيبات شارل الثالث دوبوربون ملك نابولي الذي كان يعمل على حفر سراديب في الخبث البركاني بحثاً عن الكنوز.

وفي خضم هذه الفوضى ظهر رجال ذوو نزعة علمية راحوا يحاولون وضع شيء من التنظيم، ومن أشهر هؤلاء جوهان يواكيم فينكلمان (1717 - 1768) الذي يعد مؤسس علم الآثار في ألمانية.

كان فينكلمان قيماً على مكتبة الفاتيكان، وألف كتاباً في الفن القديم والفن الروماني وآثار هركولانوم وغير ذلك من الموضوعات. وقد كني بأبي علم الآثار لمؤلفاته وشغفه بجمع الآثار، ولاسيما النقود، ولطريقته التاريخية في تصنيف الآثار، ومع ذلك كله فقد ظلت كلمة «أركيولوجية» أي علم الآثار غائمة غير محددة المعالم، وظل ثمة خلط بين تاريخ الفن وعلم الآثار. على أن المنحى الأثري أخذ يثبت، وأصبح النشاط الأثري أكثر كثافة، وراحت المتاحف تتسع بما كان يأتيها من بلاد اليونان، ومن الشرق، فقد قدم فونيل، القنصل الفرنسي في أثينة، إلى متحف اللوفر بعض منحوتات الأفاريز المسروقة من معبد البارثنيون في أثينة. إن مثل هذه السرقات لم تكن تسمى باسمها الصريح بل كانت تعد رفداً للعلم. وإذا كان صحيحاً أن بعض الآثار المنهوبة حفظت من الدمار أو التخريب في بعض الحالات، إلا أنها أنقصت قيمة الأوابد التي سرقت منها وقللت من جمالها.

كان الهدف العلمي حينئذ ممتزجاً بالهدف الاستعماري، ومن ذلك ما تم في حملة نابليون على مصر، فمع الدراسات الأثرية والعلمية وكشف حجر رشيد (1799) وتفسير الكتابات الهيروغليفية (1822م)، تمت عملية نقل واسعة للآثار المصرية وامتلأت بها المتاحف الفرنسية ومن ثم المتاحف الأوربية. وكانت اليونان في مقدمة ما استهدفه العاملون في حقل الآثار من الأوربيين في تلك الحقبة. فقد عمل فون ستاكلبرغ في إيجينا، وعمل اللورد إلجين في أكروبول أثينة لمصلحة المتحف البريطاني (1816)، وأنشئ معهد المراسلات الأثرية في ألمانية (1829) والمدرسة الأثرية الفرنسية في أثينة (1846) كما قامت جمعية أثرية روسية في موسكو.

اقترن علم الآثار في القرن التاسع عشر بالسعي وراء المغامرة والمجد القومي أو الشخصي وبالجاسوسية وبالصراع الدولي. وكانت محصلة ذلك مزيداً من الكشوف. ومن ذلك قيام السويسري بوركهارت بتعريف العالم بمدينة البتراء (1812) ومباشرة بول إميل بوتا قنصل فرنسة في الموصل بالتنقيب في نينوى قيو نجيق (1842) وفي خورسباد (1843) وتابع عمله الفرنسي فكتور بلاس من 1858 إلى 1865. ويذكر كذلك الإنكليزي هنري لايارد الذي قام بالتنقيب في منطقة ما بين النهرين (1845 ـ 1851) مستطلعاً آثار البابليين والآشوريين. وقد عثر في عام 1849 على نينوى، قرب الموصل، وكان أول من قام بالتنقيب في منطقة الجزيرة السورية ولاسيما في تل عربان على نهر الخابور (1850).

وفي 1861 نشر إرنست رينان كتابه الشهير «بعثة إلى فينيقية» كما نشر ملكيور دوفوغي مؤلفه الضخم «سورية الوسطى» بين 1865 و1877، وكان قد زار سورية في الخمسينات من ذلك القرن. وهذان المؤلفان يعدّان من المنطلقات الأساسية للدراسات الأثرية في سورية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حقق الألماني هنريش شليمان كشوفاً مثيرة في طروادة وميكيني (ميسينة) وتيرانت (في اليونان الآن) وقريباً من ذلك الوقت اكتشف الإنكليزي آرثر إيفانس المدائن المينوية في كريت، وبدأ الفرنسي سارزيك في 1877 التنقيب عن لاغاش في منطقة تلّو (في العراق) وعرّف العالم بالحضارة السومرية. وفي 1904 نشر فلندرز بيتري كتاب «الطرائق والأهداف في علم الآثار» ونهج منهجاً علمياً في دراسة الفخار والاهتمام بالتعاقب الطبقي الأثري (الستراتيغرافي) في حفرياته في نوقراطيس (نقراش) في مصر. وكان الألمان قد بدؤوا في ذلك الوقت يهتمون بطريق بغداد ـ برلين فنقلوا نشاطهم إلى العراق وسورية ونقب كولدوي في بابل، وأندره في آشور، وماكس فون أوبنهايم في الجزيرة السورية (تل حَلَف)، وفيغاند في تدمر وبعلبك، وتبعهم الأمريكيون (بعثة بتلر 1904/1905/1909). ومن المكتشفات المثيرة في هذا القرن اكتشاف كارتر وكارنافون قبر توت عنخ آمون (1923) واكتشاف مارشال ومكاي المدائن المغيبة في حوض موهنجدارو وهارابا في الهند، وأسهم في الأعمال هناك فيما بعد مورتيمور هويلر صاحب طريقة الأبعاد الثلاثة في التنقيب الأثري.

ومن أهم أعمال التنقيب بين الحربين العالميتين حفريات ليونارد وولي في «أور» جنوبي الرافدين وهنري فرنكفورت في حوض ديالى، ويوردان ونولدكه وهنريش ولنسن في أوروك (الوركاء).

التنقيب عن الآثار في سورية: أشير من قبل إلى النشاط الأثري الذي قام به إرنست رينان في البعثة الفرنسية إلى بلاد الشام عام 1860 وقيامه بعمليات سبر في جبيل وصيدا وصور وأرواد وكشفه بعض المدافن في مقبرة صيدا. ومن ثم كانت حفريات المقريدي بك العثماني لحساب المتحف الهمايوني في صيدا. أما أول أعمال التنقيب المهمة في سورية فقد بدأت في 1888 في موقع زنجرلي (مدينة شمأل الآرامية القديمة) قام بها الألماني فان لوشان واشترك فيها
ر. كولدوي قبل قيامه بالتنقيب في بابل. كان العمل منهجياً في الحدود الممكنة في ذلك الوقت وأعطى للمرة الأولى تقسيماً أثرياً وفنياً لآثار ضخمة من أرض سورية متأثرة بالفن الآشوري. ثم اهتم ماكس فون أوبنهايم بموقع تل حلف في الجزيرة السورية عام 1899 وبدأ التنقيب فيه عام 1911 واستمر حتى عام 1913 ومن ثم عاود الحفر بين 1927و 1929، وكان تأريخه للمعالم مضطرباً ومغلوطاً إلى أن تم تصحيحه فيما بعد. وعُرف العصران المميزان للموقع في الألف الخامس وعصر الحديد. وقام الألمان أيضاً بدراسة معمارية أثرية لبعض عمائر تدمر وبعلبك، وكذلك فعل الأمريكي بتلر على رأس بعثة جامعة برنستون في سورية (1904/1905/1909). واهتم ولزنجر ووتزنجر الألمانيان بآثار دمشق عام 1917.

كانت البلاد تخضع للسلطة العثمانية التي سهلت عمل الأجانب، وساعدتهم حماية الحصانة الدبلوماسية فزادت المجموعات الأثرية المنهوبة أو المشتراة بأبخس الأثمان. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك لوحة القانون المالي التدمري التي قام الأمير الأرميني الروسي أباماليك لازاريف بتقطيعها عام 1882 ونقلها إلى متحف الإرميتاج في سان بطرسبرغ (ليننغراد)، وكذلك المجموعة النادرة من المنحوتات التدمرية التي أخذها قنصل الدنمارك إلى متحف كارلسبرْغ في كوبنهاغن، وتماثيل عمريت (قرب طرطوس) التي كانت تهرّب إلى قنصل فرنسة في طرابلس، والتحف النادرة والمخطوطات التي أعطيت لغيلوم الثاني في أثناء زيارته للبلاد.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وقام الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان ربطت السلطة الفرنسية مصلحة الآثار بالمفوضية العليا في بيروت وجعلت مديريها ومفتشيها ومهندسيها من الفرنسيين مع قلة من المساعدين الفنيين والرسامين العرب. وعملت مصلحة الآثار هذه مع مؤسسات علمية فرنسية أو محلية في عدد من المواقع السورية كأنطاكية وتدمر وشهباء وقصر الحير الغربي وحَلَبْية - زَلَبْية (الخانوقة) على الفرات وغيرها.

وبين 1920 و1939 رخصت السلطات الأثرية الفرنسية لعدد من البعثات الأثرية الفرنسية والإنكليزية والأمريكية والدنماركية والتشيكية وغيرها بالتنقيب في المواقع السورية على أساس تقاسم الآثار بينها وبين المتحفين الوطنيين في دمشق وحلب.

وكان المتحف الوطني بدمشق آنئذ مؤسسة وطنية باشر مديره الأمير جعفر الحسني، رائد الآثار السورية، بإنشاء نواة تنقيب وطنية نقبت في مقابر جوبر وطفس وخسفين (1943) وأجرت سبراً في المعسكر ببصرى (1944) وتحريات في تسيل والعال وفيق (1946) في الجولان فكانت أول أعمال تنقيب وطنية أغنت المتحف الوطني بدمشق واشتهر بها في العالم. وتتعاون الآن المديرية العامة للآثار والمتاحف في الجمهورية العربية السورية وبعثاتها الوطنية للتنقيب مع نحو خمسين بعثة أثرية أجنبية.

     علم آثار ما قبل التاريخ

أخذ علم آثار ما قبل التاريخ منحى علمياً منذ 1830 حين أكد العالم الفرنسي بوشيه دوبرت أن الأدوات الصوانية هي من صنع الإنسان، وبرهن على ذلك فيما كشفه في موقع إبفيل Abbeville. وقد لاقى رفضاً لآرائه وحملة عليه أول الأمر، ولكن العلماء أخذوا يتقبلون طروحاته شيئاً فشيئاً.

بدأ البحث بعد ذلك عن آثار من صنع تلك الأدوات الصوانية، أي بقايا الإنسان المستحاثي، والاهتداء إلى أقدم وجود للإنسان على الأرض. ودخل علم آثار ما قبل التاريخ المعاهد العالمية، وبرز كثير من الباحثين في ذلك الحقل، ومن أشهرهم الفرنسيون: الأب بروي ولانتييه ودوشاردران الذي كشف مع غيره من العلماء إنسان الصين الذي يعود لنصف مليون عام، وكان في ذلك الحين أقدم إنسان مستحاثي عرفه العالم، ومنهم كذلك دومورغان الذي تعرف في سنة 1897 حضارة ما قبل التاريخ في سوسة جنوبي إيران. ولما كان العلماء الفرنسيون رواد علم آثار ما قبل التاريخ فهم يعدون هذا العلم فرنسياً.

تتابعت الكشوف في ميدان ما قبل التاريخ، وقسمت عصوره إلى الحجري القديم (الباليوليتي) الأدنى والأوسط والأحدث، والحجري الوسيط (الميزوليتي)، والحجري الحديث (النيوليتي) ما قبل الفخاري وما بعد الفخاري، والحجري النحاسي (الكالكوليتي). وتم تتبع أصول الإنسان إلى ما قبل ثلاثة ملايين عام وأكثر في إفريقية وإلى ما قبل مليون عام أو أكثر مثلاً في سورية وقسمت أنواعه إلى الإنسان الأحمق (ستوبيديوس) والإنسان المنتصب في (إيريكتوس) والإنسان العاقل (سابيانس)، ونسبت مقتنيات صناعات ذلك الإنسان إلى أماكن اكتشافها أول مرة. ومن ذلك الأشولية والآشولية والفالوازية - الموسترية والنياندرتالية نسبة إلى أماكن في فرنسة وألمانية، وأما فيما يتصل بسورية فهناك تسميات محلية حديثة [ر. سورية].

     العلوم المساعدة لعلم الآثار

كان علم الآثار في بدايته وصفاً للعمائر الحجرية والمدافن الضخمة التي بقيت ظاهرة فوق الأرض وقاومت عوامل الطبيعة. ثم غدا علماً متميزاً يعتمد على كل الوثائق الممكنة بلا تحديد ويستفيد من وسائل أكثر العلوم ومعطياتها. وقد حصل تحول في تطور علم الآثار في السنوات العشرين الأخيرة، وحدث انقسام فكري ومنهجي في موضوع الآثار بين مدرسة أثرية تقليدية وطريقة تجديدية فقد كان علم الآثار في السابق يعتمد تصنيف الأشياء المكتشفة وتبويبها والتقريب فيما بينها. وبعد اكتشاف طرائق التأريخ الحديثة المطلقة أصبح في يد عالم الآثار سلاح قوي يعالج به مشكلة تحديد زمن الأشياء الذي يعد من أهم أهداف البحث والتنقيب.

كذلك استفاد علم الآثار من عناصر جديدة في نطاق العلوم الفيزيائية والطبيعية، مثل علم النبات والحيوان وعلم البيئة، وأصبحت مثل هذه العلوم أداة مهمة لتفسير المشكلات الأثرية، مثل معرفة تطور الزراعة وبداية تهجين الحيوان واختلافات المناخ الطبيعي وتطوراته على مدى الأزمان السابقة.

إن الاتجاه الحالي في علم الآثار يسعى إذن إلى وضع أسس منهجية للبحث الأثري المتعدد الجوانب الذي يشترك فيه عدد من العلوم والتقنيات، ومعنى هذا أن عالم الآثار، عندما يبدأ في معالجة مادته أو مشكلته الأثرية، يجب أن ينظر إليها من الإطار المعيشي الكامل للإنسان سواء من ناحية التضاريس الجغرافية للمنطقة التي سكنها، أو من ناحية مواردها الطبيعية من ماء ونبات وحيوان ومعادن وغيرها، أو من حيث المناخ وظواهر التعرية. وتتطلب هذه النظرة بطبيعة الحال تضافر العديد من العلوم والتخصصات عند فحص المشكلة الأثرية.

ويمكن تصنيف العلوم المساعدة إلى عدة فئات تدخل في مجال العلوم الجغرافية البيئية والعلوم التاريخية والإنسانية، والعلوم الرياضية والمعارف الفنية والتقنية وفيما يلي أهمها:

الجيولوجية والعلوم الجيومورفولوجية وعلم الآثار: إن الجيولوجية، نتيجة دراستها للترسب والحت وتكوّن الصخور وتفتتها وإشعاعها وما فيها من فحم أو معادن أو مستحاثات، تقدم فكرة عن عمر هذه الصخور وعن الجو الذي نشأت فيه. وانطلاقاً من معرفة الإنسان هذه الأمور يمكنه تعرف عمرها التقريبي أو النسبي. وهذه المعرفة الأولية تقدم لعالم الآثار قاعدة ينطلق منها إلى مزيد من الدراسة، وإن الجيومورفولوجية، وهي من العلوم الجيولوجية والجغرافية الأساسية، لها مساس مباشر بالآثار فهي تقدم صورة ما طرأ في زمن محدد من تشكّلات في سطح الأرض والبحار والأنهار في المنطقة موضوع بحث الآثاري. وتعطي الجيوفيزياء (الفيزياء الأرضية) الآثاري صورة للأرض غير المرئية مستعينة بالفيزياء بأنواعها من صوت وضوء وكهرباء ومغنطيسية، وقد يدل ذلك على وجود مسكن أو سرداب أو نفق أو غير ذلك، كما أن هذه العلوم وتقنياتها الجديدة المعقدة تساعد على تأريخ الآثار بوسائل مختلفة مثل المغنطيسية الأثرية (أركيو مانيتزم) التي تساعد في تحديد الأعمار القريبة نسبياً، ومثل تحديد عمر الخشب (دندروكرونولوجي) لأزمنة أقل من 7420 عاماً، أو الكربون المشع (الكربون 14) لما بين 35 - 50 ألف عام، أو مقدار البوتاسيوم - أرغون لنحو مليون عام، أو التألق الحراري (ترمولومينيسانس) لأزمنة تراوح بين ألوف وملايين السنين وغير ذلك.

علم البيئة إلإيكولوجية والآثار: يدرس هذا العلم علاقة الكائنات الحية بالبيئة الطبيعية التي عاشت فيها ويفيد الآثاري منه في وضع الإنسان القديم في المحيط الذي عاش فيه، ومعرفة مدى تأثره بهذه البيئة وتأثيره فيها، أي علاقته بها وذلك أمر له أهمية بالغة في دراسة عصور ما قبل التاريخ، ويتبع دراسة البيئة القديمة بداهة دراسة حيوانها ونباتها ولاسيما المستحاثي المنقرض منها. وهذا يقود إلى علم المستحاثات (الباليونتولوجية) الذي تطور في تقنياته وتوسع في دراسة الإنسان المستحاثي وتوصل إلى تقدير عمره على الأرض بملايين السنين.

الأنتروبولوجية والإتنولوجية: هذان العلمان هما، مثل التاريخ، من أشد الاختصاصات المساعدة التصاقاً بعلم الآثار. فالأول يبحث في التطور التاريخي الطبيعي للإنسان، والثاني يبحث في ثقافاته وعاداته وتقاليده، ولذلك يرى بعض العلماء أنهما بحثان تاريخيان وبالتالي أثريان.

علم النميات (النقود والمسكوكات): إن هذا العلم من أهم الوسائل التي تساعد الآثاري على تحديد زمن الآثار التي تقترن بها النقود وهويتها، وعلى معرفة العلاقات الاقتصادية والمد التجاري بين بلد وآخر. كما أن له فوائد في معرفة الكتابات وأشكال الحكم والأحداث والمناسبات المهمة  في مختلف البلدان.... وإن قطعة النقود التي كان يضعها الرومان في فم الميت أجرة لشارو سائق عربة الموتى كانت تؤرخ الوفاة أيضاً، وظلت توضع للغاية الأخيرة فحسب في العصر البيزنطي فيفيد منها الباحث في الحالتين في تحديد التاريخ التقريبي للقبر أو المقبرة.

علم التقويم (الكرونولوجية): وهو من العلوم التاريخية المفيدة جداً لعلم الآثار. وموضوعه ينصب على التقاويم المختلفة لدى الدول والشعوب. ومنذ الألف الثالث ق.م احتاج الإنسان إلى تسجيل ما يهمه في حياته الاقتصادية والدينية والسياسية فظهرت في مصر والرافدين وسورية تقاويم لسنوات حكم الملوك مرتبطة بالأحداث التي مروا بها أو جرت في أيامهم. ومهمة المختص في شؤون التقويم دراسة هذه التقاويم ومقارنتها واستنتاج التاريخ المطلق لملك أو حدث. وهذا العلم غاية في الصعوبة ولم يتفق العلماء بعد على تقويم صحيح لأحداث الألف الثالث والثاني ق.م في الرافدين مثلاً، فهناك أصحاب التقويم الطويل والتقويم القصير والمتوسط ويقوم خلاف بين هؤلاء على عهد حمورابي مثلاً يتجاوز المئة عام. ومن المهم للآثاري الاعتماد على الكرونولوجية في تأريخ السويات الأثرية التي يكتشفها. ولاجدوى من درس التعاقب الطبقي الأثري «الستراتيغرافية» من دون خلفية تقويمية. وتعرف صعوبة علم التقويم من المطابقة بين التقويمين الهجري والميلادي فكيف يكون الأمر إذا كان تقويم إحدى الأسر يرجع إلى ثلاثة آلاف عام قبل ذلك وكان مفككاً متناقضاً ملتبساً. ويتبع هذا العلم علم الأنساب وقد برع العرب جداً في هذا العلم حتى إنهم نسبوا خيولهم بصكوك موثقة مفيدة.

علم النقوش (الإبيغرافية): وهو علم الكتابة القديمة المنقوشة في الحجر والطين والمعدن والخشب وغيرها. وهذا العلم يساعد الآثاري في معرفة سبب وجود الأثر ومعرفة صانعه وبيئة الأثر وأسرار اللغات. ويقوم المختص به بتحديد زمن النصوص ومكانتها وترميم الناقص فيها. ومن العلوم المقترنة بالإبيغرافية والمفيدة لها علم المخطوطات.

علم الكتابات القديمة (الباليوغرافية): وميدانه خطوط النصوص القديمة المكتوبة على ورق البردى ورقّ الغزال والقراطيس القديمة والمخطوطات بأنواعها من حيث مادتها وشكل كتابتها ومقارنة هذه الكتابة بغيرها وتحديد نسبتها. ومن فروعها المهمة في ميدان الآثار علم البرديات (البابيرولوجية) والكتابات القديمة العربية والإسلامية.

علم أسماء الأماكن (الطبونيمية): يفتح هذا العلم للآثاري آفاقاً جيدة في البحث، وذلك بالرجوع إلى أصل تسمية الأماكن. ففي هذه التسمية دلالة أكيدة على الشعوب التي أنشأت هذه الأماكن. وقد قيل إن المدن تتكلم لغة مؤسسيها. ثم إن المكان يمكن أن يدل على منشأة بائدة (بئر، حمّام، دير، حصن). ولا تتغير أسماء المدن والمواقع بسهولة. وفي بلاد الشام أسماء مدن يرقى بعضها إلى آلاف السنين (دمشق، حلب، تدمر، عمريت، أرواد، وغيرها).

علم الأختام: ومجال هذا العلم الأختام بأنواعها مما لدى الأفراد والمؤسسات القديمة. إن الأختام أو طبعاتها تحمل رسوماً تشهد على الأزمنة والأماكن والأوابد والأزياء. وتتضمن نصوصاً وأسماء أعلام مفيدة أيضاً، ويدخل في هذا النطاق علم الشعارات (الرنوك) وهو يميز الأسر والحكام، وفي جملة ذلك الرنوك في الدولة الأيوبية والمملوكية التي تساعد الآثاريين في نسبة المباني والآثار المنقولة التي تعود لواحد من أهل السلطان والإفادة منها في المقارنة الأثرية ودراسة الفن والصناعة.

وعلى كل حال لايمكن حصر العلوم التي تساعد علم الآثار. فالآثاري كالطبيب الجراح يفي من كل العلوم ويتحسن عمله بتطور التقنيات. وفي هذا الصدد يمكن القول إن البيولوجية الإنسانية من العلوم التي تقدم خدمات جلى للبحث الأثري من حيث دراستها للعظام القديمة والموميات ومعرفة أعمار الموتى والخصائص الجسدية والأمراض التي عانوها وأساليب الطب القديم.

وعلى الآثاري الناجح أن يلم بمعارف كثيرة أو على الأقل أن يعلم كيف يسائل أهل الخبرة في كل المجالات. ولكن في ختام المعارف المساعدة لعلم الآثار يأتي علم الخزفيات (سيرامولوجية) وهو الرفيق اليومي لمعظم الآثاريين. فالفخاريات أو الخزفيات قبل اختراع الكتابة وبعدها هي وسيلة الآثاري الأولى في معرفة العصور والتأثيرات الحضارية وحركة الأمم  والشعوب.

     منهج علم الآثار الحديث

عقب الحرب العالمية الثانية اتجه علم الآثار نحو منهج علمي متين يقوم على تنفيذ العملية الأثرية على مراحل ثلاث: المسح الأثري والتنقيب والتوثيق.

المسح الأثري: لايهدف هذا المسح إلى حصر الآثار المنظورة فحسب، بل يسعى كذلك إلى معرفة الإطار البيئي الكامل الذي عاصر حقبة زمنية، وذلك بدراسة مصادر المواد الطبيعية ودراسة التغيرات الجيولوجية والجغرافية الجيومورفولوجية مثل تغيرات مجاري الأنهار وانخفاض سويات البحار وارتفاعها. إن وجود الإنسان في الطبيعة يترتب عليه تغيّر في التوازن الطبيعي. ولابد إذن من معرفة العلاقة البشرية بالبيئة الطبيعية، ولابد من وسائل ميدانية متطورة لتفهم النشاط الإنساني على وجه أفضل، ومن ثم جمع عينات من مخلفات الإنسان، كالفخار والعظام والمواد العضوية وغيرها، من كل بقعة سكن فيها أم مر بها. ويستعان في عمليات المسح الأثري بالتصوير الجوي بكل أنواعه وبالتصوير الفوتوغرامتري وتستخدم الأشعة الكونية والأشعة تحت الحمراء. وقد دخلت السواتل (التوابع الصنعية) حديثـاً في عمليات المسح الواسعة.

التنقيب الأثري: إن التنقيب الأثري هو عماد علم الآثار. وتعتمد طرائق التنقيب الحديثة على الخبرات العملية التي تجمعت لدى الآثاريين الذين مارسوا التنقيب في الشرق والغرب. وإن إجراء عملية تنقيب أثري في موقع ما تنتج عنه عملية بناء تاريخي والحصول على صورة أكثر دقة عن الحضارة التي يعود إليها هذا الموقع، وجودة طريقة التنقيب تحقق الهدف الذي ترمي إليه عملية التنقيب أفضل تحقيق.

والتنقيب الأثري عملية تقنية تعتمد، إلى حد بعيد، على الثقافة الأثرية والعامة، وعلى المهارة الشخصية،وعلى الخصائص الفردية للمنقبين، وعلى قابليتهم الإدارية. وليس ثمة تنقيب يدرَّس بالمعنى المعروف، بل إن هناك مبادئ أولية وطرائق نظرية. ولكن عملية التنقيب يجب أن تعاش، وأن تدعم خبرة التنقيب بالجهد والمعاناة. ويتطلب التنقيب الأثري معرفة بتعاقب الطبقات الأثرية (الستراتيغرافية) وعلم التقويم (الكرونولجية) ولاجدوى من عملية التنقيب من دون خلفية تاريخية. وإن تقنية التنقيب الجيدة هي وسيلة لرؤية تاريخية واضحة وليست هدفاً بذاتها. وتعتمد طرائق التنقيب الحديثة على دراسة الموقع دراسة طبوغرافية دقيقة وشاملة، وتقسيمه إلى مربعات، وتسمية هذه المربعات، وجمع كل ما يوجد على سطحه ضمن هذه المربعات وتوثيقها ثم يبدأ السبر بعد ذلك لأخذ فكرة عن طبقات الموقع وأزمنته.     

إن طريقة التنقيب الشائعة في مدارس التنقيب الحديثة هي طريقة الآثاري الإنكليزي «مورتمر هويلر» وهي تقوم على أخذ الإحداثيات الفلكية س ع ص للأوابد واللُّقى الأثرية في أثناء التنقيب، لذلك سميت طريقة الأبعاد الثلاثة. وبإحداث حواجز بين مربعات التنقيب يرى المنقب في مقطعها مناسيب الوضع الطبقي للموقع، وتوضح الآثار مع أرضيات المساكن، وبذلك يمكن الحصول على تصوير صحيح لماضي الموقع، وإعادة بنائه عند التوثيق والنشر بالاعتماد على الرسم والتصوير والتحليل إضافة إلى الوصف شيئاً فشيئاً.

بدأ الآثاريون في استخدام المعلوماتية والحواسيب بالقرب من مواقع التنقيب لخزن المعطيات التي تتوافر في أثناء التنقيب،من مكتشفات ونماذج فخارية ونصوص وسويات ومقاطع وملاحظات والمقابلة فيما بينها وبين ما هو معروف في مواقع أخرى.

التوثيق الأثري:  إن هذه المهمة التي تسبق العمل التنقيبي الأثري وتليه بالضرورة، هدفها الأقصى إيصال كل المعلومات المجمعة في عمليات التنقيب إلى النشر العلمي الموثق بالصور والرسوم والمخططات، والمدعم بالأرقام الإحصائية، والمقترن بالتحاليل الكيماوية والفيزيائية للعينات المجموعة بطريقة «الدراسة الطبقية» التي لاتكتفي بالعينة بل لابد من أن تحلل الوسط الترابي أو العضوي المحيط بها. ويتجه الميل الآن إلى أخذ أكبر كمية ممكنة من المكتشفات والمواد المخرجة بالتنقيب والأنقاض والتربة التي عثر عليها فيها. حتى إن ثمة من يرى أنه سيأتي اليوم الذي يدرس فيه ويحلل ويوثق كل ما تتألف منه المواقع والتلال الأثرية.

     التنقيب الأثري تحت الماء

أصبح التنقيب الأثري تحت مياه البحار والأنهار والبحيرات فرعاً مهماً من فروع علم الآثار. وهو يتحرى عن المراكب الغارقة والمرافئ القديمة التي ابتلعها البحر أو غمرها بلججه بسبب الزلازل. وكان الأول في هذا الفرع هو الأب «بوادبار» وهو رائد التصوير الجوي الأثري. أما أول عملية قام بها في مجال التحري الأثري تحت الماء فهي البحث عن مرفأ صور القديم. ومن هناك انتشرت التحريات الأثرية تحت الماء في البحر المتوسط كله، واشتهرت عمليات الغطس في الشواطئ المصرية والليبية. وفي سورية تمت عمليتان مهمتان في جهات جزيرة أرواد وسجل حتى الآن اكتشاف، بل انتشال، عشرات المراكب الغارقة عند شواطئ المتوسط ولاسيما الشواطئ اليونانية والقرطاجية منها، والمجلِّي في هذا المجال هو عالم البحار الفرنسي «كوستو» ومركبه الشهير «كاليبسو».

ومن أطرف مكتشفات الغطس البحري الأثري اكتشاف فريق أمريكي لمركبين أغاريتيين غارقين عند ساحل الأناضول الجنوبي (رأس خليدونية ورأس كاش).

إن هذا النوع من النشاط الأثري يلاقي شعبية كبيرة في البلدان البحرية، ومع كثرة هواته بين الشباب يبقى ميداناً علمياً قبل كل شيء، له أصوله ومعداته، ويتطلب إتقان التصوير ورسم المخططات تحت الماء، وقوة جسدية ممتازة، ومعرفة بالحياة البحرية بكل أنواعها.

وإن أعماق البحار والأنهار ليست أصلاً مجال طبيعة الإنسان، فالغطاس الأثري يعمل في ظروف تعطل جانباً كبيراً من قدراته الجسمية والعقلية والنفسية، والوقت المتاح له للعمل محدود، ومع تطور الوسائل المستعملة في التنقيب تحت الماء ينتظر الوصول إلى وقائع مثيرة في هذا المجال، ولكن الوضوح في أعمال ما تحت الماء ما يزال قليلاً نسبياً.

 

عدنان البني

     ترميم الآثار

الترميم Restoration  عملية ثقافية وتقنية وحرفية على درجة عالية من التخصص، لايقوم بها إلا ذوو الخبرة الطويلة، ويتم التعاون فيها بين جميع الفروع للوصول إلى الطرائق المناسبة للتنفيذ ويجب أن يسبق أي عملية ترميمية دراسة توثيقية ترتكز على الدراسات الإنسانية والعلمية والبحث المنهجي، وأن ينظم تقرير عن الحالة الراهنة والأسلوب الذي سيتم اتباعه مع المسوغات الداعية لكل خطوة بالدلائل والصور والمخططات مرفقة بالوثائق اللازمة لجميع خطوات الترميم والأساليب التقنية المتبعة والمواد المستخدمة. كذلك يجب أن تكون الأساليب المتبعة تقليدية، ويمكن في بعض الأحيان استخدام الأساليب الحديثة المجربة سابقاً، ولايسمح باستخدام أي أساليب أو مواد حديثة إلا إذا كانت مناسبة وتطيل عمر المبنى.

ويجب احترام الإضافات التي جرت على المبنى على مر العصور، ولايسمح بإزالة مرحلة لإظهار مرحلة إلا عندما تكون المرحلة الأحدث ذات قيمة ضئيلة بالموازنة مع المرحلة التي تسبقها، على أن تكون الأقدم في حالة فنية جيدة تسوغ العملية.

لايجوز إجراء أي هدم أو تعديل على المبنى،كما لايسمح بعملية إعادة البناء إلا إذا كانت هذه العملية تظهر قيمة المبنى، ويقتصر الترميم على أجزاء صغيرة من مادة البناء فقط بالاعتماد على الدلائل الأثرية، وتتوقف هذه العملية في اللحظة التي يبدأ فيها الافتراض والتخمين أن تكون أعمال الترميم مناسبة من حيث اللون والشكل والمقياس ومتناسبة مع المظهر العام من جهة، ومميزة عن الأصل من جهة أخرى حتى لايتم تزوير الشواهد التاريخية، ويفضل في الترميم الأثري استخدام المواد والتقنيات القابلة للفك ما أمكن إذا دعت الضرورة إلى ذلك في المستقبل.

 

هزار عمران

مراجع للاستزادة

ـ عدنان البني، التنقيب الأثري الحديث (الطبعة الثانية، وزارة الثقافة 1976).

ـ سلطان محيسن، عصور ما قبل التاريخ (جامعة دمشق 1986/1987).

ـ علي أبو عساف، آثار الممالك القديمة في سورية (وزارة الثقافة 1988).

ـ دني بيبونييه، الطرائق الموضوعية للتأريخ أو قياس الزمن في الأركيولوجية ـ علم الآثار ـ (المعهد  العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق 1988).



رقم صفحه البحث ضمن المجلد:335