...............تنعى هيئة الموسوعة العربية الأستاذة الدكتورة نجدة خماش، رئيسة قسم الحضارة العربية سابقاً، والخبيرة في موسوعة الآثار حالياً...............صدور المجلد الثاني عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة بعنوان الأمراض العصبية ...............المدير العام لهيئة الموسوعة العربية الأستاذ الدكتور محمود السيد...............صدر المجلد الحادي عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة ويتضمن أمراض الرأس ...............صدر المجلد العاشر من الموسوعة الطبية المتخصصة وهو بعنوان: الأمراض النَّفسيّة ...............إلى زوار موقع هيئة الموسوعة العربية الكرام، نلفت عنايتكم إلى أنه لا يوجد حساب لهيئة الموسوعة العربية على أي من مواقع التواصل الاجتماعي...............صدر المجلد السابع والأخير من الموسوعة القانونية المتخصصة ...............دور النشر والمكتبات المعتمدة لتوزيع الموسوعة العربية

المجلد الرابع عشر >> العلوم الإنسانية>> التاريخ و الجغرافية و الآثار >> الفرنجة

الفرنجة Francs Francs

الفرنجة

 

الفرنجة Francs قبائل بربرية جرمانية، أشهرها قبائل الساليين  Saliens(البحريين)، وقبائل الريبوير Ripuaires (البريين)، وقبائل الشاماف Chamaves. وكلمة فرنجة باللغة اللاتينية تعني «الحر»، وقد أطلقها الرومان على الأقوام التي كانت تتحرر عن السلطة الرومانية.

وفيما بعد اشتق اسم فرنسا من كلمة فرنجة، وكانت فرنسا تدعى قبل ذلك غاليا (بلاد الغال). ومن المعروف أن الامبراطور البيزنطي يوليان (جـوليان) المرتـد (361-363م) قد سمح للفرنجة الساليين بعبور نهر الراين والاستقرار على الحدود الامبراطورية في منطقة بلجيكا وحوض الراين الأدنى، حلفاءً للرومان في ظل التزامات عسكرية محددة.

احتفظ الفرنجة كغيرهم من الجرمان بكثير من التقاليد والنظم التي كانت تتعارض إلى حد كبير مع ما ألفته العقلية الرومانية؛ ذلك أن الجرمان توخوا الناحية الفردية في كل شيء، فالفرد هو محور الحياة، وعلى أساس قوته الشخصية وسطوته كانت أهميته ونفوذه.

أما أخلاق الفرنجة الجرمان الأوائل، فكانت مزيجاً من الفضائل والنقائص التي عرفت بها الشعوب البدائية، ذلك أنهم جمعوا بين الشجاعة والقسوة، وبين الكرم وعدم مراعاة أصول الجوار، هذا فضلاً عما عرفوا به من احترام للعهد، وترابط بين أفراد الأسرة الواحدة، واحترام للمرأة، وهي الصفات التي ظلوا عليها، ولم يفسدها سوى اختلاطهم بالرومان وتأثرهم بهم.

أما ديانتهم فكانت خليطاً من الأساطير وعبادة قوى الطبيعة، مثل الشمس والقمر والرعد وغيرها، لكنهم لم يقيموا معابد وتماثيل لآلهتهم.

ومن الجدير بالذكر أن توسع الفرنجة داخل أراضي الامبراطورية الرومانية، كان نوعاً من التغلغل التدريجي، أكثر مما كان فتوحات مباشرة، أو هجرة تتصف بطابع الغزو، وبذلك تجنب الفرنجة خطراً واجه الشعوب الجرمانية الأخرى (كالقوط، والواندال، والبرغنديين ...)، وهو أن هذه الشعوب قد قطعت صلتها بمواطنها الأصلية، عندما تدفقت على الامبراطورية الرومانية، وذابت كلياً في مجتمعها، في حين أقام الفرنجة دولتهم في الشمال الغربي من أوربا، وانطلقوا من موقعهم هذا للتوسع والتسرب تدريجياً، وقاموا باقتطاع إقليم بعد آخر من أقاليم الامبراطورية الرومانية، من دون أن يتخلوا بالوقت نفسه عن مراكزهم الأساسية، أو أن يقطعوا صلتهم بمواطنهم الأصلية عند الراين الأدنى، وقد ترتب على هذه الظاهرة احتفاظ الفرنجة بأصولهم وحضارتهم وتقاليدهم الجرمانية.

 بدأ الفرنجة يغيرون من وراء نهر الراين على غاليا منذ القرن الثالث الميلادي، ثم استوطنوا في القسم الشرقي منها في القرن الرابع ومطلع الخامس، وبما أن غاليا كانت ولاية رومانية منذ القرن الأول قبل الميلاد؛ لذا حاولت القوات الرومانية أن تمنع الفرنجة من الاستيلاء عليها. ولما عجز الرومان عن صدّ الفرنجة، اضطروا إلى أن يسمحوا لهم بالاستيطان في القسم الشرقي من غاليا،على أن يكونوا حلفاء للامبراطورية الرومانية، يقدمون لها بعض الفرق العسكرية للدفاع عنها ضد القبائل البربرية الأخرى، وبعد أن سقطت روما سنة 476م، أخذ الفرنجة غاليا كلها من الرومان، وأسسوا فيها مملكة فرنجية.

تأسيس الدولتين الميروفنجية والكارولنجية

المملكة الميروفنجية: يعد كلوفيسClovis  ما بين (486-511م) المؤسس الحقيقي لدولة الفرنجة، فقد استطاع أن يوحد غاليا كلها في دولة واحدة تحت سلطته، بعد أن كانت مجزأة إلى أربع ممالك (مملكة القوط الغربيين، مملكة البرغنديين، مملكة غاليا الرومانية، مملكة الفرنجة)، فقد أنهى كلوفيس السلطة القوطية والبرغندية والرومانية في غاليا، كما تخلص من بعض زعماء الفرنجة المنافسين له، ووحّد قبائل الفرنجة المتفرقة كلها في شعب واحد تحت زعامته، واعتنق مع شعبه الديانة المسيحية على المذهب الكاثوليكي السائد في روما، في حين كانت الشعوب البربرية الأخرى قد اعتنقت المسيحية على المذهب الآريوسي. وبذلك كسب كلوفيس الكنيسة الرومانية ورجال الدين إلى جانبه، فأيدوه في مشروعاته التوسعية، وهو بالمقابل أصبح المدافع الأول عن أملاكـهم وثروات كنائسهم. مات كـلوفيس سنة 511م، فحكم بعده ملوك من أولاده وأحفاده، واستمر حكمهم حتى سنة 752م. ويمكن تقسيم تاريخ مملكة الفرنجة في عهد الدولة الميروفنجية إلى دورين:

- دور القوة والتوسع (511-639م): تألفت مملكة الفرنجة في هذا الدور من ثلاث مقاطعات كبيرة هي:

- مقاطعة أوسترازيا Austrasie (شمال شرقي غاليا) ومقاطعة نوستريا Naustrie (شمال غربي غاليا) ومقاطعة برغنديا Bourgogne (جنوب شرقي غاليا). وكانت هذه المقاطعات تتناحر فيما بينها، كما كان الصراع يدور داخل كل مقاطعة بين ملك المقاطعة من جهة، وبين كبار الإقطاعيين من جهة أخرى، وكان داغوبير Dagobert بن كلوتير Clotaire الثاني هو آخر ملك قوي من ملوك هذه الأسرة، وبموته سنة 639م بدأ دور الضعف والانحلال.

- دور الضعف وحكم الملوك الكسالى (639-752م): في هذا العهد تجزأت مملكة الفرنجة إلى ممالك عدة متصارعة، وضعفت السلطة الملكية كثيراً وأصبح حاجب القصر (رئيس البلاط الملكي) هو الحاكم الفعلي في كل مملكة، ونشب الصراع بين حجّاب القصور، وانتصر حاجب قصر أوسترازيا (بيبن الثاني Pépin II) وأصبح السيد الوحيد في الممالك الثلاث، وبذلك لم يعد تاريخ الميروفنجيين مرتبطاً بالملوك، بل برؤساء البلاط. وفي سنة 714م توفي بيبن الثاني فخلفه ابنه شارل مارتل[ر] الذي قام بإنقاذ البلاد من الفوضى الداخلية، وحمايتها من الأخطار الخارجية التي تمثلت بغارات الشعوب المجاورة، مثل السكسون والألمان والبافار والفريز (من الشمال والغرب). أما في الجنوب فقد حارب شارل العربَ المسلمين في الأندلس وخاض معهم معركة بلاط الشهداء (بواتييه) سنة 114هـ/732م، ولما توفي سنة 741م، اقتسم ولداه كارلومان وبيبن (القصير) حجابة القصر في مملكة الفرنجة، ثم نزل كارلومان لأخيه عن الحكم، فحكم بيبن القصير البلاد وحده، ثم تخلص من الملك الميروفنجي ونصب نفسه ملكاً على البلاد سنة 751م ووافق البابا على تتويجه، لحاجته إلى مساعدته.

وبذلك انتقلت السلطة الملكية من الأسرة الميروفنجية إلى الأسرة الكارولنجية وهي أسرة حجاب القصور.

المملكة الكارولنجية: حكم بيبن القصير ملكاً من سنة 752 إلى سنة 768م، وغدت مملكة الفرنجة في عهده أعظم قوة سياسية في غربي أوربا، وزادت قوتها بتحالفها مع الكنيسة الغربية، ودفاعها عن البابوية ضد اللومبارديين. كما قام بيبن بتدعيم بلاده داخلياً وخارجياً، وامتد نفوذه خارج حدود مملكة الفرنجة. وفي سنة 768م مات بيبن القصير، فاقتسم ولداه شارلمان وكارلومان مملكة الفرنجة - وفقاً لتقاليد الفرنجة - وبعد ثلاث سنوات مات كارلومان فصار شارلمان ملكاً وحيداً على الفرنجة، وحكم حتى سنة 814م، خاض في أثنائها حروباً عديدة ضد اللومبارديين، حتى أخضعهم كلياً إلى سلطته ونفى ملكهم، وسمى نفسه ملك الفرنجة واللومبارديين، كما أخضع الشعوب العديدة المجاورة لمملكته (البافار في الغرب، والساكسون في الشمال، والفريز في الشمال الغربي) وأجبرهم جميعاً على دفع الجزية له. وكذلك خاض حروباً عدة مع العرب المسلمين في الأندلس، من أجل إخضاع شمال شرقي إسبانيا، في حين كانت علاقته جيدة مع الخلافة العباسية في بغداد، حيث تبادل مع هارون الرشيد الهدايا والسفارات، وسبب تلك العلاقة الودية بينهما هو وجود عدوين مشتركين لهما هما: الدولة البيزنطية، والأمويون في الأندلس.

وفي سنة 800م توّج شارلمان امبراطوراً على يد البابا ليون الثالث في كنيسة القديس بطرس في روما يوم عيد الميلاد، وبذلك أصبحت مملكة الفرنجة إمبراطورية عظيمة في الغرب حلت محل الامبراطورية الرومانية القديمة، وذلك بفضل جهود شارلمان.

على أن أهمية شارلمان في التاريخ ليست بسبب حروبه الطويلة أو بسبب تتويجه امبراطوراً لأول مرة بين ملوك الجرمان فحسب، بل بسبب إصلاحاته الواسعة التي تناولت مختلف المرافق والاتجاهات، حتى أدت إلى ما يعرف في التاريخ باسم النهضة الكارولنجية.

ولم تلبث امبراطورية شارلمان الواسعة أن تمزقت في عهد خلفائه؛ بسبب تمسك الفرنجة بنظرتهم القديمة إلى المُلك، وهي أن المُلك إرث يجب تقسيمه بين الأولاد، وهكذا قسمت إمبراطورية شارلمان بين أولاده ثم بين أحفاده، مما أدى إلى حروب أهلية وصراعات طويلة، استمرت حتى سنة 843م، وهنا اجتمع أولاد لويس التقي (ابن شارلمان) في مدينة فردان الفرنسية، وعقدوا فيما بينهم معاهدة دعيت «معاهدة فردان» نصّت على تقسيم الامبراطورية الفرنجية على نحوٍ يرضي الجميع، وعن هذه المعاهدة نشأت ثلاث ممالك مستقلة، متميزة بعضها من بعض باللغة والتركيب البشري، فكان ذلك بداية لمولد ثلاث دول في المستقبل القريب هي: فرنسا وإيطاليا وألمانيا.

دور الفرنجة في توحيد فرنسا

قام ملوك الفرنجة بتوحيد غاليا (فرنسا) منذ عهد كلوفيس، لكن تقاليد الفرنجة التي تقتضي تقسيم المملكة بين أولاد الملك، أدت إلى تفتيت الدولة، ثم زوالها، وفي الحقيقة تضافرت عوامل عديدة إضافة إلى نظرية الإرث السالفة، أدت بمجملها إلى زوال الامبراطورية، منها ترسخ أسس النظام الإقطاعي في منتصف القرن التاسع الميلادي، ومنها أيضاً احتواء الامبراطورية شعوباً وقبائل مختلفة اللغات والأجناس والعادات... سعت إلى التحرر من سيطرة الفرنجة. وهكذا أخذت الامبراطورية بالانهيار منذ منتصف القرن التاسع، ثم دخلت بعد ذلك في صراع مع الأسرة الكابية استمر قرناً من الزمان (888-987م). وفي سنة 987م مات لويس الخامس آخر ملك من الأسرة الكارولنجية من دون أن يكون له وريث يخلفه على العرش، فكانت وفاته فصل الختام بالنسبة للدولة الكارولنجية. وفي السنة ذاتها توّج هوغ كابيه Hugues Capet ملكاً على فرنسا، وبذلك بدأ تاريخ حكم الأسرة الكابية في فرنسا.

وقد أدخل هوغ كابيه طريقة جديدة على نظام وراثة العرش، ذلك أنه عيّن في حياته ابنه البكر ملكاً مساعداً له ليخلفه ملكاً وحيداً على العرش الفرنسي بعد مماته، من دون اللجوء إلى الانتخاب، وهكذا أصبح العرش الملكي ينتقل إلى ابن الملك البكر وحده، مما جنب الملكية التقسيم وتصارع الأبناء على السلطة والنفوذ .

ومنذ توقيع معاهدة فردان 843م، وانقسام الامبراطورية الكارولنجية إلى دول ثلاث متباينة في اللغة والعادات والتركيب البشري، ذاب الفرنجة في الوسط المحيط بهم، فمملكة شارل الأصلع (ابن لويس التقي) أخذت الطابع الفرنسي واللغة الفرنسية (الرومانية المحرفة عن اللاتينية) ومملكة لويس الألماني (ابن لويس التقي) أخذت الطابع الألماني بكل مظاهره، وكذلك مملكة أخيهما لوثر أخذت الطابع الإيطالي. وهكذا ذاب الفرنجة وسط الشعوب التي احتوتها امبراطوريتهم، وامتزجوا معها.

وفاء جوني 

مراجع للاستزادة:

ـ عادل زيتون، تاريخ العصور الوسطى الأوربية (مطبعة الروضة، دمشق 1982م).

ـ نور الدين حاطوم، تاريخ العصر الوسيط في أوربة (مطبعة دار الفكر، لبنان 1967).

- J.M.WALLACE HADRILL, The Long Haired Kings and Other, Studies in Frankish History (London 1962).



رقم صفحه البحث ضمن المجلد:430