...............تنعى هيئة الموسوعة العربية الأستاذة الدكتورة نجدة خماش، رئيسة قسم الحضارة العربية سابقاً، والخبيرة في موسوعة الآثار حالياً...............صدور المجلد الثاني عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة بعنوان الأمراض العصبية ...............المدير العام لهيئة الموسوعة العربية الأستاذ الدكتور محمود السيد...............صدر المجلد الحادي عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة ويتضمن أمراض الرأس ...............صدر المجلد العاشر من الموسوعة الطبية المتخصصة وهو بعنوان: الأمراض النَّفسيّة ...............إلى زوار موقع هيئة الموسوعة العربية الكرام، نلفت عنايتكم إلى أنه لا يوجد حساب لهيئة الموسوعة العربية على أي من مواقع التواصل الاجتماعي...............صدر المجلد السابع والأخير من الموسوعة القانونية المتخصصة ...............دور النشر والمكتبات المعتمدة لتوزيع الموسوعة العربية

المجلد الثالث عشر >> التربية والفنون>> العمارة و الفنون التشكيلية والزخرفية >> العقلانية في العمارة

العقلانية في العمارة Rationalism in architecture Rationalisme en architecture

العقلانية في العمارة

 

ظهرت العقلانية بوصفها مذهباً معمارياً منذ القرن الثامن عشر؛ ذلك القرن الذي أطلق عليه اسم عصر العقل Age of reason، حين احتل العلم والمنطق المقام الأول في التحول الصناعي، وحين أصبحت العمارة صناعةً كغيرها من الصناعات التي لابد أن تواكب التحولات الفكرية والتقانية والحداثة ونزعة الوظيفية التي سيطرت على ذلك العصر.

بدا تأثير الصناعة في العمارة منذ أن ابتدأ المعمار باستخدام الآلات في عمارته، واستخدام منتجات هذه الآلات في إنشاءاته، بل بدا هذا التأثير واضحاً عندما أصبح الشكل المعماري مستمداً أحياناً من أشكال الآلات ذاتها، وخاضعاً إلى جميع المبادئ العقلانية جميعها في إنشاء العمارة.

ونستطيع بيان معنى العقلانية [ر] بالنقاط الآتية:

إنها نظرية فكرية تقوم على التحليل والنقد، وتبتعد عن النزعة العاطفية والمثالية، وتسعى إلى حل المشكلات الاجتماعية وتلبية متطلبات العصر، وتحترم الوظيفية Functionalism[ر]. وفي مجال العمارة، ساعدت تلك النظرية على تلبية الحاجات الإسكانية المتزايدة بعد الحرب العالمية الأولى، ورفعت مستوى التصميم المعماري إلى الكمال، وأصبحت قادرة على اكتشاف الحلول الإنشائية الخاطئة والرديئة، وتحقيق جودة التصميمات. بل أصبحت منهجاً أكاديمياً لامناص من اتباعه في عصر تطور التقانات والمواد، وفي مناخ عصر الحداثة في الفكر والفن.

لقد كانت العقلانية في العمارة وليدة المسائل الفكرية التي قدمها كبار الفلاسفة في القرن العشرين من أمثال لوكاش وهربرت ماركوز اللذين ألحا على ارتباط الفكر بالفن والعمارة، وهيدغر الذي تحدث عن العمارة بوصفها «بيت الوجود».

ارتبطت العمارة العقلية بالصناعة وبالوظيفة، وكانت عالمية ومتعددة.

كان المعمار سوليفان Sullivan الداعية الأكثر بروزاً في الولايات المتحدة لربط العمارة بالصناعة، ودافع رايت Right عن نظرية أستاذه دفاعاً شديداً.

أكدَّ غرينو H.Greenough ضرورة ربط الشكل بالوظيفة قائلاً: «لا بد أن تشف العمارة عن الوظيفة».

لقد أصبحت العمارة العقلية عالمية بسبب انتشار تقنياتها وأشكالها في جميع أنحاء العالم، وأصبح استغلال المواد الجديدة من حديد وزجاج وألمنيوم ولدائن وكهرباء شاملاً، مما أوجد الأسلوب الدولي للعمارة international style.

ولكن هذه التشاركية المعمارية العالمية لم تكن موحدة، فلقد برزت التعددية في الطرز بسبب الثوابت المناخية والتقليدية في أقاليم العالم، مما أورث مدارس حديثة مختلفة في العمارة، ولكنها تعتمد الوسائل التقانية والقواعد العلمية التي انتشرت في عصر العقل.

أصبحت الطرق الإنشائية العلمية العامل المشترك في العمارة الدولية أكثر من الأسلوب؛ إذ انتشر استخدام طرق الإنشاءات الحديثة، مثل القشرة الخرسانية، والجمالونات الفراغية، والقباب الجيؤدؤزية، إلى جانب التشكيلات والتطبيقات المعمارية، مما تحدث عنه فوللر Fuller مبدياً أثرها في تحقيق عالمية العمارة العقلية. وكانت العمارة المسبقة الصنع التي تعتمد على الإنشاء الجاف dry construction الطريقة الإنشائية السائدة لأنها الأسرع تنفيذاً والأكثر اقتصاداً في بناء عمارة تسد الحاجات المعمارية الطارئة في الإسكان الطبقي المرتفع، وفي بناء المصانع الضخمة، والمخازن والمطارات والجسور والسدود.

الباوهاوس في داساو (1925-1926)

ومع أن القرن التاسع عشر شهد ولادة الفن الحديث Art Nouveau الذي قام على رفض الفن والعمارة التاريخيين، والاهتمام بالحرية الإبداعية التي بدت متطرفة في أعمال المعمار الإسباني غودي Gaudi[ر]؛ يلحظ أن القرن العشرين شهد تحولاً مفاجئاً بسبب العقلانية التي اتجهت نحو التقشفية والهندسية، وبدت العقلانية واضحة في أعمال ڤان دي ڤيلد Van de Velde[ر] وبيرّه Perret ولوس Loos[ر].

وسيطرت العقلانية والتقانة الإنشائية والوظيفية على العمارة نظرياً وعملياً عن طريق مدرسة بيت العمارة (الباوهاوس[ر]) Bauhaus في داساو 1925 ثم في فايمار، وكان المعمار غروبيوس Gropius رئيساً وموجهاً لعدد من المعماريين والفنانين باتجاه العقلانية والتقانة، على قاعدة تضافر الفنون مع العمارة، معلناً عن رفضه اتباع النموذج الأصلي في العمارة archétype، الذي كان سائداً.

بقيت العمارة فناً على الرغم من سيطرة العقل والعلم والوظيفة، إلا أنها انقسمت أكاديمياً إلى هندسة إنشائية، وهندسة معمارية، الأولى تُعنى بالنواحي العلمية المحض لتحقيق الإنشاء الأكمل، والثانية تسعى إلى تقوية ملكة الإبداع والفن في تشكيل العمارة، مع مراعاتها للمبادئ العلمية، بل أصبحت الجامعات تميز بين ما يسمى هندسة العمارة وفن العمارة، لتأكيد ربط العمارة بالفن وحده.

على أن تأثير المهندس الإنشائي استمر واضحاً وجلياً بسبب هيمنة التقانات الحديثة، حتى إن السدود الضخمة والجسور كانت من صنع المهندس الإنشائي من دون تدخل المعماري. بل هيمن المهندس الإنشائي في صنع العمارة الضخمة، حتى قيل: «إن العمارة في القرن العشرين كانت من صنع المهندسين على الرغم من المعماريين». لذلك فقدت العمارة الطابع الجمالي لسيادة التشكيل الإنشائي الذي فرضه العلم.

برج إيفل (باريس)

وهكذا لمع اسم المهندس إيفل[ر] Eiffel الذي صنع البرج العظيم في باريس، الذي عد نجاحاً تقانياً عقلانياً، لا إنجازاً فنيَّاً.

كانت عمارة القرن العشرين عقلية لانتمائها إلى التقانات الحديثة، وإلى هيمنة الفعل الإنشائي المتطور باستعمال الخرسانة التي بدت نبيلة بذاتها في عمارة الكنائس التي صممها بيره عام 1925 مع أخويه، وكانوا رواد الخرسانة المسلحة التي بدت أيضاً في شكلها الخام beton brut.

كذلك شهد القرن العشرون تحولاً شاملاً في فن العمارة تحت لواء الحداثية Modernity[ر]، معارضاً التقاليد المعمارية جميعها، ومقبلاً على استغلال التقانات المبتكرة التي ساعدت المعمار على إبداع أشكال معمارية مختلفة خاضعاً للوظيفة التي تحكم العقل في تقريرها وتنفيذ متطلباتها في العمارة الحديثة.

أُطلق على النظام المعماري في هذا القرن اسم الأسلوب الجديد le style nouveau في فرنسا، واسم الأسلوب الحديث modern style في أمريكا،, وفي ألمانيا قاد الأسلوب الجديد jungle style المعمار بيتر بهرنز Behrens الذي أثّر في معماريي عصره، من أمثال ميس ڤان در روه[ر] Mies van der Rohe ولو كوربوزييه[ر] Le Corbusier وغروبيوس[ر]، ونقل هذا الاتجاه إلى أمريكا ولكن رايت نادى بأسلوب أمريكي مناهضاً الاتجاه الأوربي.

بعد غروبيوس استلم ميس رئاسة بيت العمارة «الباوهاوس» وكان همه استغلال التقانات الحديثة والفولاذ والزجاج وأحياناً الإسمنت، وكان يدعو إلى تطبيق علم الرياضيات، ومن أعماله المعروفة ناطحة السحاب من الزجاج والفولاذ في شيكاغو 1925، وفي الوقت نفسه كان لو كوربوزييه ينشئ مجمع المساكن في مرسيليا، فكان هذان العملان قطبي العمارة العقلانية في القرن العشرين.

تدرب لو كوربوزييه على يد بيره وتلقف أهمية الإسمنت المسلح، وعندما مضى إلى برلين اشتغل أيضاً مع بهرتز وتعرف على غروبيوس، وعند عودته إلى باريس أنشأ الجناح السويسري عام 1933، جامعاً فيه الوظيفية العقلانية والجمالية المبدعة. ثم كانت كنيسة رونشان أبرز نموذج للعمارة الحداثية.

وتجلَّت أفكار لو كوربوزييه العقلانية في نظريته عن المودولور Modulor وهي نظرية في العمارة العضوية[ر] اعتمدت على مقاس الإنسان.

بعد إلغاء الباوهاوس في عهد هتلر، هاجر المعماريون إلى إنكلترا وأمريكا من أمثال غروبيوس الذي نقل أفكاره وعمارته العقلانية إلى أمريكا حيث بدت العقلانية في أوج ازدهارها في العمارة الحديثة.

في الولايات المتحدة بدأ غروبيوس محاضراً في جامعة هارفرد، وكان همه توطيد العلاقة بين العمارة والفن، ومن أعماله المعروفة مركز هارفرد الذي زيّنه كبار المصورين. وفي أوربا الشرقية تتلمذ المعمار التشيكي لوس A. Loos قد على يد أوتو فاغنر O.wagner النمساوي، وبهذه التبعية تزعّم التيار الحديث في عمارة البيوت بمنظور علمي حداثي.

كان أوغوست بيره أول معمار حداثي في فرنسا وأهمل الشكل المعماري مهتماً بالتقانات المستحدثة. كما في عمارة الشانزيليزه في باريس، وفي عام 1925 أنشأ كنيسة رانسي بالخرسانة.

ويعد توني غارنيه Garnier رائد العمارة العقلانية في القرن العشرين، وفي معرض الفنون الزخرفية في باريس في عام 1925 ضم جناح الفكر الجديد l’esprit nouveau نماذج من أعمال بيره وغارنيه، وكانت مثالاً للعمارة الحديثة العقلانية.

وعلى الرغم من خلاف بيره الشديد مع تلميذه لو كوربوزييه؛ تجاوز هذا الأخير معلمه في الشهرة عندما ابتكر المباني على ركائز Pilotis، وصار بنظريته المتعلقة بالمودولور زعيم الجيل الثاني من المعماريين الحداثيين.

ساحة النجمة في  باريس

بعد أن آصيبت باريس بالوهن، بحث الإمبراطور نابليون الثالث عن مصمم عمراني جريء يستطيع إعادة تنظيم هذه المدينة، فوقع اختياره على هوسمان[ر] Hausmann الذي لم يبحث عن حلّ لترميم المدينة وإنقاذها، بل قرر هدم الأحياء المتهالكة معلناً شعاره «العمران هو الإدارة»؛ إذ كان هوسمان رئيساً لمنطقة السين، وكان متعسفاً في قراراته، جريئاً في تنفيذها، لدعم الامبراطور له.

وهكذا نظم باريس كما تُرى اليوم، بشوارعها الضخمة boulvards مثل شارع لافاييت، ومازال خُمس شوارع باريس جزءاً من مخطط هوسمان الذي انتهى تنفيذه عام 1870 مبرزاً حديقة غابة بولونيا وحديقة فانسين، ولم يكن عمله بمنأى عن النقد؛ إذ كان الفيلسوف بانجمان شديد التعبير عن سخطه لمشروعه.

قام عمران مدينة باريس على مبادئ عقلية، إذ اعتمد على مبدأ التناظر والتقابل وعلى النسب الجمالية البشرية مما يُرى في منطقة حديقة مارس Champ de Mars. وفي تنظيم ساحة النجمة.

ولابد أن يُذكر هنا مشروع لو كوربوزييه في تخطيط عمران ضاحية باريس، الذي قدمه عام 1921 من دون أن يحظى بالتنظيم، وكان مؤلَّفاً من مجموعات ناطحات سحاب متصالبة بارتفاع 150 ـ 200م ويعتمد مخططه مبدأ المدينة المشعّة La ville radieuse.

عفيف البهنسي

 

 مراجع للاستزادة:

 

- M.Ragon, Le livre de l’Architecture moderne (R. Laffont, Paris 1958).

- Encyclopédie de l’Architecture - construction (Morancé 1939).

 



رقم صفحه البحث ضمن المجلد:332