...............تنعى هيئة الموسوعة العربية الأستاذة الدكتورة نجدة خماش، رئيسة قسم الحضارة العربية سابقاً، والخبيرة في موسوعة الآثار حالياً...............صدور المجلد الثاني عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة بعنوان الأمراض العصبية ...............المدير العام لهيئة الموسوعة العربية الأستاذ الدكتور محمود السيد...............صدر المجلد الحادي عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة ويتضمن أمراض الرأس ...............صدر المجلد العاشر من الموسوعة الطبية المتخصصة وهو بعنوان: الأمراض النَّفسيّة ...............إلى زوار موقع هيئة الموسوعة العربية الكرام، نلفت عنايتكم إلى أنه لا يوجد حساب لهيئة الموسوعة العربية على أي من مواقع التواصل الاجتماعي...............صدر المجلد السابع والأخير من الموسوعة القانونية المتخصصة ...............دور النشر والمكتبات المعتمدة لتوزيع الموسوعة العربية

المجلد الرابع >> اللغات و آدابها>> الآداب اللاتينية >> إيطالية (الأدب في-)

إيطالية (الأدب في-) Italy Italie

 

إيطالية

الأدب الإيطالي

ارتبط الأدب الإيطالي بتاريخ إيطالية وتطور أحداثها السياسية وتراثها الثقافي. فقد شهدت إيطالية انقسامات سياسية منذ القرن السادس حتى التاسع عشر. وكان للتطور الاقتصادي والاجتماعي أثره في الأدب والثقافة والفنون. واختلف أدب شمالي إيطالية عن جنوبيّها. ففي الوقت الذي شهد أدب الشمال توسعاً وتنوعاً ارتبط أدب الجنوب بالأسرة الحاكمة في صقلية وتلاشى بسقوطها.

نشأ الأدب الإيطالي على قاعدة متينة قوامها الأدب اللاتيني الاتباعي (الكلاسيكي) وكان معظم الأدباء الذين كتبوا، سواء باللغة العامية أو الأدبية، يتقنون اللغة اللاتينية[ر] وحاولوا تطبيق قواعدها بخاصة على اللغة العامية. ولم تكن اللغة اللاتينية وحدها مصدر إغناء الأدب الإيطالي فقد أثّرت آداب الشعوب المجاورة، ولاسيما فرنسة واللغة البروفنسية Le Provencal في الأدباء الإيطاليين.

أدب العصور الوسطى

عرفت إيطالية قبل الميلاد وبعده بسنوات ما يسمى بالأدب الروماني الذي استمر حتى زوال الامبراطورية الرومانية. تبعه أدب العصور الوسطى الخاص بالمجتمع الأوربي المسيحي الذي شمل دولاً أوربية أخرى مجاورة. ووقف الأديب الإيطالي إلى جانب نظرائه الفرنسي والألماني والإنكليزي يخاطب العالم المسيحي باللغة اللاتينية متناسياً المصالح القومية لكلّ دولة. وكان ينادي بوحدة الأدب مثلما كان ينادي بوحدة الثقافة والإيمان. وكانت لغة الشعر هي الأولى التي جمعت الأدباء في إيطالية وخارجها، وظل الشعر لغة المجتمع الأرستقراطي ذي المثل الخيالية حتى ظهور لغة العامة إلى جانب اللغة اللاتينية، عندئذ نشأت علاقة جديدة بين الأديب والقارئ، عندما بدأ الأديب يكتب بلغة العامة ويتحدث بلسان شعبه غير مبال بقارئه خارج الحدود الإيطالية. واكتسب الأدب صفة قومية وشعبية عندما بدأ الشاعر دانتي ألغييري[ر] Dante Alighieri  ينظم الشعر بلغة العامة. ووجد أنصار لغة العامة صعوبة في مواجهة علماء اللاهوت والصوفيين ورجال القانون والمؤرخين. ولم يكن من السهل التخلي عن اللغة اللاتينية وما يلازمها من أسس دينية وأخلاقية شكلت دعامة لمجتمع النبلاء وللثقافة الكهنوتية. ففي العصور السالفة كان التعليم العالي في إيطالية مقروناً بدراسة الحقوق والطب والبلاغة ولحقت الفلسفة بعلوم الطب. وأخّرت المكانة التي احتلتها اللغة اللاتينية رسمياً في الإدارات وفي لغة الوثائق منذ عام 960 ارتقاء لغة العامة إلى مصاف اللغة الأدبية حتى القرن الثالث عشر، عندما دافع القديس فرانتشيسكو داسيزي Francesco d'Assisi عن استخدام لغة العامة في كتابه «ترتيلة المخلوقات» Cantico delle Creature، وهو من المؤلفات الإيطالية القديمة التي كتبت بنثر إيقاعي مقرون بسجع وقافية وفيه تسبيح من المخلوقات وسجود لخالق الكون.

وشهد القرن الثالث عشر مدرسة شعرية حديثة استمدت اسمها «الأسلوب الجديد العذب» من عبارة لدانتي Dolce Stil Nuovo. وجمع مؤسس هذه المدرسة غويدو غوينيتزيلليGuido Guinizelli حول الشاعرين دانتي وغويدو كَفَلْكنتي[ر] Guido Cavalcanti مجموعة من الشعراء الشباب في توسكانة أمثال لابو جاني Lapo Gianni وجاني ألفاني Gianni Alfani وتشينو دا بيستويا Cino da Pistoia وتغنى هؤلاء الشعراء، الذين أرادوا أن تكون قصائدهم صفوة الشعر، بفداء الحبيبة.

واعتمد شعراء آخرون أمثال فولغوري دا سان جيمينيانو Folgore da San Gimignano وروستيكو دي فيليبو Rustico di Filippo وتشيكو أنجولييري Cecco Angiolieri الشعر الهزلي في مغالاتهم في الكلام وإسرافهم في وصف الواقع وبحثهم عن المثل العليا وسط الطبقة البرجوازية، وكان الشعر الهزلي استمراراً لشعر العصور الوسطى لذا وقف دانتي بين القديم والجديد منتهجاً الأسلوبين.

ودعت حركة دينية في نهاية القرن الثالث عشر إلى تجديد الأسس الاجتماعية، وإحياء القيم الأخلاقية، متأثرة بالإصلاح الديني[ر] الذي نادت به الكنيسة. إلا أن هذه الحركة اتجهت نحو التحرر من النفوذ الكنسي وأدخلت في مبادئها موضوعات سياسية واجتماعية إلى جانب موضوعاتها الدينية التي تعود إلى الشعر القديم: نهاية العالم وعفة النفس وإغاثة الفقير ويقظة الضمير، وحتمية الموت، ومن أشهر روادها جاكوبوني دا تودي Jacopone da Todi الذي عرف بتسابيحه Laudi وأشهرها «بكاء العذراء» Il Pianto della Madonna. ولم يكتسب الأدب الإيطالي في هذه الحقبة صبغة دينية فحسب بل أيضاً صبغة تعليمية هادفة، فكان الأدب وسيلة لنشر المبادئ والمذاهب التي تدعم حقيقة الإيمان؛ وساعد في ذلك وجود شريحة اجتماعية جديدة من القرّاء توّاقة إلى اكتساب المعرفة والعلم، كما ساهم عدد من الأدباء في شمالي إيطالية خاصةً في نشر هذه الحركة الأدبية التعليمية وكان أشهرهم برونيتو لاتيني Brunetto Latini وغويتوني داريتزو Guittone d'Arezzo.

القرن الرابع عشر والخامس عشر

سجل القرن الرابع عشر ثلاثة أسماء كبار في الأدب الإيطالي: دانتي و فرانتشيسكو بتراركا[ر] Francesco Petrarca وجوفاني بوكاتشو[ر] Giovanni Boccaccio. حاول بتراركا الارتقاء بالشعر إلى اللغة الأدبية المصفاة من شوائب لغة العامة والأسلوب الواقعي، واقترن شعره بالطبقة الأرستقراطية وبالبلاط، وكانت صقلية مهداً له في عهد فريدريك الثاني ثم أصبحت مدرسة صقلية الشعرية La Scuola Siciliana منهلاً للشعراء في جنوبي إيطالية وشماليها. ومن المؤكد أن الأدب لم يبلغ في القرن الرابع عشر المكانة التي كانت للرسم والنحت، والتي كان لها أثر يشبه أثر الشاشة الصغيرة في القرن العشرين؛ إذ بقي أدب البلاط قاصراً على شريحة من المثقفين حتى بداية عام 1470 عند طباعة النصوص الأولى لكبار الأدباء بلغة العامة: ديوان «الشعر الغنائي» Canzoniere لبتراركا (طبعة البندقية عام 1470) و«الديكاميرون» Decameron لبوكاتشو (طبعة البندقية 1471) و«الكوميديا (أو الملهاة) الإلهية» Divina Commedia لدانتي (طبعات فولينيو ومانتوفا والبندقية الثلاث 1472).

يضاف إلى ذلك أن النزعة الأدبية الإنسانية Umanismo ساهمت في نشر لغة العامة مدافعة عن حرية الإنسان في التعبير. ومن أنصارها ليون باتيستا ألبرتي Leon Battista Alberti وليوناردو دافينشي[ر] Leonardo da Vinci الذي احتل المكانة الأولى في الفنون، إلا أنه ناظر بلغة الأدباء وآثر لنفسه التعبير التلقائي عند تدوين أفكاره حول لوحاته الفنية. ولمع في فلورنسة اسم أنجلو بوليتسيانو [ر] Angelo Poliziano ولويجي بولشي Luigi Pulci وفي نابولي اسم ماسوتشو ساليرنِتانو Masuccio Salernitano وياكوبو سَنَتزارو Iacopo Sannazaro.

عصر النهضة Rinascimento (القرن السادس عشر)

لم تؤثر التجزئة السياسية في أعقاب حملة شارل الثامن (1494) على وحدة إيطالية الأدبية، إذ إن مقتضيات العصر الملحة كانت تتطلب الحفاظ على وحدة الثقافة وسط تيارات معاكسة. وبرزت نزعة توحيدية في الشعر المكروني Poesia Macaronica الذي كُتب بمزيج من اللاتينية واللغة القومية محافظاً على قواعد الشعر اللاتيني. وأشهر مثال لهذا النوع من الشعر القصائد التي كتبها ميكيلي أوداسي Michele Odasi بعنوان «مكرونية» Macharonea وتيوفيلو فولِنغو Teofilo Folengo بعنوان «بالدوس» Baldus.

ويذكر مع عصر النهضة الشاعر لودوفيكو أريوستو[ر] Ludovico Ariosto وقصيدته الشهيرة بعنوان «أورلاندو الثائر» Orlando Furioso التي تعد مرآة عصره، ويذكر من المؤرخين نقولو ماكيافيلي[ر] Niccolo Machiavelli وفرانتشيسكو غويتشارديني Francesco Guicciardini.

وشهد المسرح انطلاقة جديدة بتألق الملهاة وشخصياتها المتحذلقة. واقتبس المسرحيون الهزليون دسائسهم من المسرح اليوناني وكان نتاجهم وافراً. وتجدر الإشارة إلى مسرحيات أريوستو و بييترو أرِتينو[ر] Pietro Aretino وماكيافيلي ورائعته «ماندرا غولا» Mandragola. ومن المسرح الرعوي تذكر مسرحية «التضحية» Il Sacrificio لكاتبها أنطونيو بيكاري Antonio Beccari. واستطاع توركواتو تاسو[ر] Torquato Tasso أن يحقق فوزاً في مجال الملحمة وسط صراع لغوي وديني واجتماعي.

عصر الباروك[ر] Il Barocco Letterario (القرن السابع عشر)

حاولت الكنيسة الكاثوليكية، إثر انتصارها على البروتستنتية، أن ترسخ معالمها في الفنون والآداب. وولّد النفوذ الديني انقساماً لدى المثقفين. وظهرت طبقة منفتحة للنقد والتجديد وبقيت طبقة أخرى سجينة العلوم والمعرفة الأكاديمية المتوارثة. وساهم المسرح في تقديم صورة ساخرة للعلماء المنطوين على أنفسهم وسط كتبهم يتحدثون اللاتينية أكثر من الإيطالية؛ تبعتها صورة العالِم المتحجر العقل المؤيد للسلطة. وشهد عصر الباروك تحرراً من الأسلوب الاتباعي[ر] Classicismo وتمجيداً للعاطفة والأخلاق؛ فتألقت الروحانية Il Spiritismo في الكتابات الفلسفية لجوردانو برونو Giordano Bruno و توماسو كامبَنيلا Tommaso Campanella وفي كتابات المؤرخ باولو ساربي Paolo Sarpi. وكان للأدب العلمي نصيب وافر في هذا العصر. وقد أبرز غاليليو غاليلي[ر] Galileo Galilei في مقدمة كتابه «حوارات العلوم الحديثة» Dialoghi delle nuove scienze صورة جديدة للمثقف المنتمي إلى عصر النهضة.

وواكب الأدب العلمي التيار السياسي الهادف إلى بناء «إيطالية جديدة» مستقلة وعلمانية في مواجهة مجتمع يخضع للكنيسة منذ مجمع ترينتو (1545-1563) Concilio di Trento . وكان الأدباء يختارون لموضوعاتهم ما يثير الدهشة والغرابة ويخرج عن المألوف، فكان الاهتمام ينصب على أحداث الساعة (الآليات، الفنون المعمارية، الكوارث الطبيعية، وغيرها).  كما واكبت الكتابات النثرية النهضة العلمية، وبتشجيع من أكاديمية لينشي الوطنية Academia Nazionale dei Lincei التي أسسها فدريكو شيزي Federico Cesi عام 1603 وأكاديمية شيمنتو Cimento لمؤسسها ليوبولد دي ميديتشي Leopold de Medicis عام 1657. ومن أشهر كتاب النثر فرانتشيسكو ريدي Francesco Redi ملاحظات حول سم الأفاعي» Osservazioni intorno alle vipere و«تجارب حول الحشرات» Esperienze intorno alla generazione degli insetti) ولورينزو ماغالوتي Lorenzo Magalotti مقالات لتجارب طبيعية» Saggi di naturali esperienze و«رسائل علمية» Lettere scientifiche).

وحظيت الرواية بشعبية واسعة عندما مزجت بين السياسة ومختلف الأحداث. ويعد جوفاني امبروزيو ماريني Giovanni Ambrosio Marini من أشهر الروائيين.

أما في المسرح فبرز اسم كل من فِدِريكو ديلافالي Federico della Valle وكارلو دي دوتوري Carlo de Dottori في المسرحيات المأساوية Tragedia. وبرز في الملهاة Comedia اسم ميكل أنجلو بوناروتي الشاب Michelangelo Buonarroti il giovane.

وكان للشعر الإيطالي في أوائل القرن السابع عشر تأثير ملموس في شعراء فرنسة وإنكلترة. فالشعر الذي تميز بالتكلف والحشو والمغالاة والمجازات يرجع إلى المارينية Marinismo نسبة إلى جامبَتيستا مارينو[ر] Giambattista Marino الشاعر الإيطالي ناظم قصيدة أدونيس Adone والملقب في فرنسة بالفارس الماريني Cavalier Marin.

عصر التنوير Illuminismo (القرن الثامن عشر)

شهد تأسيس أكاديمية أركاديا Arcadia في رومة عام 1690 نهاية عصر الباروك. وكانت المجالس الأدبية لتلك الأكاديمية عامرة بكبار المفكرين أمثال جامبتيستا فيكو[ر] Giambattista Vico وكارلو غولدوني[ر] Carlo Goldoni وجوزيبي باريني Giuseppe Parini وفتوريو ألفييري[ر] Vittorio Alfieri وغوته[ر] Goethe. وأسهمت الحركة الأدبية الجديدة التي توافقت وعصر التنوير، في إحياء فكر جديد يعود إلى الوراء مقتدياً بثيوكريتس[ر] Theokritos وفرجيليوس[ر] Virgilius بهدف التميز والابتعاد عن الباروك.

وبرز التيار الجديد في كتابات المؤرخين أولاً: لودوفِكو أنطونيو موراتوري Ludovico  Antonio Muratori «في حوليات إيطالية» Annali d'Italia وبييترو جانوني Pietro Giannone في «التاريخ المدني في عهد نابولي» Istoria Civile del Regno di Napoli.

ويعد الفيلسوف فيكو من أشهر مفكري العصر. وقد تناول في كتابه «العلم الحديث» Scienza nuova ثلاث مراحل انتقالية في تاريخ البشرية: المرحلة الإلهية والمرحلة البطولية والمرحلة الإنسانية.

وتميز القرن الثامن عشر بالنتاج المسرحي فقد اشتهر بييترو ميتازتازيو[ر] Pietro Metastasio في المَشْجاة Melodramma وكارلو غولدوني في المسرح الهزلي؛ وفتوريو ألفييري في المسرح المأسوي. وبرز في الشعر الغنائي التعليمي وشعر الهجاء جوسيبي باريني الذي مهد لعودة الاتباعية وصور في قصيدته الشهيرة «النهار» Il Giorno تبجح طبقة النبلاء من خلال يوميات شاب وشابة.

عصر اليقظة القومية Risorgimento (القرن التاسع عشر)

اقتبس الأدب الإيطالي في القرن التاسع عشر مفهومه الوطني، بمدلوليه السياسي واللغوي، من المدرسة الإبداعية[ر] Romanticismo التي بدأت في فرنسة، وساهم في معركة التحرر القومي والاجتماعي. ودعا الشاعر فيتشنزو مونتي[ر] Vicenzo Monti إلى أدب حديث Letteratura Moderna يتناول موضوعات معاصرة مع الحفاظ على أسلوب اتباعي جديد Neoclassico. وهكذا اتخذ بعض الشعراء أساليب الشعر القديم نماذج يقتدون بها وينسجون على منوالها، فهم يقلدون الشعراء الأقدمين في أساليبهم ويعارضونهم في مشاعرهم. وكان إحياء التراث القديم من مظاهر النهضة القومية وفي إطار المدرسة الاتباعية الجديدة Neoclassicismo التي تزامنت وحقبة نفوذ نابليون. ومثّل أسلوب الشعراء في هذه المرحلة الشاعر الروائي أوغو فوسكولو[ر] Ugo Foscolo الذي اشتهر بروايته «رسائل جاكوبو أورتِس الأخيرة» Le ultime lettere di Jacopo Ortis.

واغتنى الأدب بروافد جديدة من المذاهب الأدبية كالإبداعية والواقعية[ر] Realismo والرمزية[ر] Simbolismo؛ وتعزز اتصال الأدب بالحياة فصار الأدباء يعنون بتصوير حياة الشعب تصويراً صادقاً ويعالجون مشكلاته وعلاقاته الإنسانية، ففتحوا نوافذ وعيه على واقعه وأضاؤوا جوانبه من زوايا رؤيتهم الفنية للحياة. ولقب الشعراء الذين نهجوا نهج الإبداعية بشعراء الوطن؛ وكان ممثلوهم في هذه المرحلة جوفاني بركي Giovanni Berchet و جوسيبي جوستي Giuseppe Giusti.

وتمثلت النزعة الإبداعية على نحو أوسع في مؤلفات ألساندرو مَنزوني[ر] Alessandro Manzoni وجاكومو ليوباردي[ر] Giacomo Leopardi اللذين عُدَّا أكبر كاتبين إيطاليين في القرن التاسع عشر. ففي روايته التاريخية «الخطيبان» (1821) I Promessi Sposi عالج منزوني أحداث الساعة السياسية بأسلوب يجمع بين التاريخ والإبداع الخيالي. أما ليوباردي فكانت مجموعاته الشعرية تنبض بالعاطفة والإنسانية.

إلى جانب هؤلاء يُذكر غوفريدو ماميلي Goffredo Mameli واضع النشيد الوطني «أشقاء إيطالية» Fratelli d'Italia. ونتيجة ارتباط الإبداعية بواقع الشعب وأحواله التاريخية والسياسية والاجتماعية برزت كلمة الشعب في قصائد جوزيبي جوياكينو بيللي Giuseppe Gioacchino Belli. وكان الأدباء المؤرخون يعمدون إلى استحضار التاريخ وينشرون صوراً مشرقة منه لتستثير العزة الوطنية. أما الروائيون فكانوا يستمدون من وقائع الأحداث مادة يصهرونها بخيالهم الفني وينسجون منها قصصاً تاريخية سياسية. وكان أبرز من كتب في هذا المجال توماسو غروسي Tommaso Grossi  وفرانتشيسكو دومينِكو غويراتزي Francesco Domenico Guerrazzi الذي كتب «حصار فلورنسة» Assedio di Firenze. وبرز ايبوليتو نييفو Ippolito Nievo في الرواية الاجتماعية، ويعد كتابه «اعترافات إيطالي» Le Confessioni d'un Italiano الذي صدر بعد وفاته تحت عنوان «اعترافات رجل في الثمانين» Confessioni d'un Ottuagenario تجربة إنسانية يجسد بها نييفو فكرة تضيء تطور المجتمع الإيطالي الحديث. ويستخلص الكاتب هذا المعنى من معاناته وتجربته في الحياة وتأملها بمنظاره الخاص.

وقد شهد القرن التاسع عشر تفتحاً للوعي الاجتماعي جعل الثقافة تتجه نحو الديمقراطية. ووجد هذا الاتجاه تعبيراً مباشراً في السيرة الذاتية ذات الصبغة البطولية والتعليمية. يذكر من كتابها سيلفيو بيللكو Silvio Pellico («سجوني» Mie Prigioni) وماسيمو دازيليو Massimo d'Azelio («ذكرياتي» Miei Ricordi) ولويجي ستمبريني Luigi Settembrini («ذكريات حياتي» Ricordanze della mia vita).

وعلى صعيد الشعر ظلت القصائد في بداية ذلك العصر في كنف الآلهة وأبطال العالم القديم أو مرتبطة بقمة المجتمع الحاكم. ولربما حاولت الإبداعية أن تقطع الشعر عن الواقع آخذة به إلى العالم الآخر. غير أن الشعراء لامسوا مأزق الحداثة عندما غدت الواقعية اتجاهاً استوعبه الأدباء جمالياً بوصفه مذهباً أدبياً فنياً من شأنه ضمان تصوير الحياة الواقعية تصويراً شاملاً اجتماعياً وتاريخياً وموضوعياً. وتقدم النثر على الشعر في وصف الحياة اليومية التي أخذت مكانها في القصة لتصبح مرآة المجتمع الجديد. ويأتي في هذا المجال أسماء كثيرة منها لويجي كابوانا Luigi Capuana الذي كتب «مركيز روكا فردينا» Il Marchese di Roccaverdina، وأيضاً جوفاني فيرغا[ر] Giovanni Verga. ونشأ أطفال البرجوازية على قراءة «بينوكيو» Pinocchio لكارلو كولودي Carlo Collodi الاسم المستعار لكارلو لورنزيني Carlo Lorenzini. وأحيت قصة إدموندو دي أميتشس Edmondo de Amicis «القلب» Cuore عاطفة الطبقة البرجوازية وأيقظ ضميرها مؤلفات أنطونيو فوغاتزارو Antonio Fogazzaro منها: «عالم قديم صغير» Piccolo Mondo Antico و«القديس» Il Santo. وتألقت الرواية المحلية في نابولي مع ماتيلد سيراو Matilde Serao مؤلفة «الراقصة» La Ballerina و«أرض النعيم» Il Paese di Cuccagna. وفي توسكانة كتب ريناتو فوتشيني Renato Fucini «في الهواء الطلق» All'aria aperta و«سهرات نيري» Le Veglie di Neri. ومهد كل من فرانتشيسكو دي سانكتِس Francesco de Sanctis وجوزوي كاردوتشي[ر] Giosue Carducci وغابرييلي دانونزيو Gabrielle d'Annunzio وجوفاني باسكولي[ر] Giovanni Pascoli لميلاد أدب القرن العشرين.

القرن العشرون

حالت الفاشية دون قيام كيان ثقافي مستقل. وعبَّر الشاعر المناهض للفاشية تشيزاري بافيزي[ر] عن بداية هذا العصر عندما قال عام 1949: «ليس ثمة ثقافة إيطالية اليوم، بل ثقافة أوربية وحتى عالمية» وضاقت من ثمّ دائرة المجتمع الأدبي وإن اغتنى في هذه المرحلة بروافد جديدة أخرى من التيارات الأدبية تجلت في المجلات الأدبية: اللاعقلانية L'irrazionalismo في الليوناردو  (1903-1907) Il Leonardo والجمالية[ر] Estetismo في «لافوتشه» (أو الصوت) (1908-1916) La Voce والمستقبلية[ر] Futurismo في «لاشيربا» (1913-1915) Lacerba والاتباعية[ر] Classicismo في «لاروندا» (1919-1923) La Ronda والحداثة [ر]   Modernismo في نوفشِنتو أو «القرن العشرون»  (1926-1929) Novecento والوطنية Nazionalismo في لسان الفاشية، السلفاجيو (1924) Il Selvaggio.

وأسهمت صحيفة الفيغارو الفرنسية Le Figaro في عددها الصادر في العشرين من شباط 1909 بنشر أول بيان رسمي للمستقبلية لفيليبو توماسو مارينِتي  (1876-1945) Filippo Tommaso Marinetti  الذي صاغ هذا المصطلح الأدبي الفني للمستقبلية Futurismo في رواية خيالية كتبها بالفرنسية عام 1909 تحت عنوان «مافاركا المستقبلي: رواية إفريقية» Mafarka le futuriste: roman africain. وقد عطفت حركة موسوليني الفاشية على هذه النزعة في أول توليها الحكم غير أنها سرعان ما تنكرت لها في أواخر عام 1924. وانطفأت جذوة هذه التيارات الأدبية عند اندلاع الحرب العالمية الثانية.

و شهدت السنوات الأولى من القرن العشرين قيام حركة «الآفلين» Crepuscolari التي استمد شعراؤها مادتهم من الأوساط البائسة بعيداً عن عالم الصناعة الحديث غير الإنساني، وقورنوا بشعراء أدب الانحطاط في نهاية القرن التاسع عشر، وكان جوزيبه أنطونيو بورجيزي Giuseppe Antonio Borgese هو الذي وضع مصطلح «الأفول» Crepuscolare للدلالة على زوال الشعر الذي قرضه فوسكولو Foscolo ومنزوني Manzoni وليوباردي Leopardi.

ومن أهم الشعراء الآفلين سيرجيو كوراتزيني Sergio Corazzini و مارينو موريتي Marino Moretti الذي عرف بقصائده المميزة: «قصائد كُتبت بالقلم» Poesie scritte col lapis وهي قصائد قاتمة أرادها رصاصية اللون شبيهة بقلمه إيذاناً بتشاؤمه وسخطه. واشتهر غويدو غوتزانو Guido Gozzano بمؤلفاته: مجموعة قصائد Raccolte di versi  و«طريق الهروب» (1907) La via del rifugio و«محاورات» (1911) I Colloqui. وغربت حركة الآفلين بظهور حركة رواد المستقبل I Futuristi المعارضة لها التي وجدت مادتها في الحياة الصناعية الحديثة.

وبحث النظام الفاشي عن مؤيدين مخلصين له بين المفكرين والأدباء إلا أنه أخفق بسبب التناقضات التي كانت تعصف به. فتارة كان يجابه العالم الحديث اللاأخلاقي وتارة يلجأ إلى القوة والعنف.

واتجه الأدباء المناهضون للفاشية إثر خيبة أملهم في النظام نحو التحرر متسلحين برؤية جديدة ذات آفاق سياسية واجتماعية رحبة. وعبرت مجلتا «الثورة الحرة» La Rivoluzione Liberale و«الباريتي» Il Baretti التي أسسها بييترو غوبيتي (1901-1926) Pietro Gobetti  في تورينو عن مواقف الأدباء النقاد. واستطاعت الفاشية أن تقضي على مؤسس المجلة الشاب غوبيتي الذي لقي حتفه إثر التعذيب، إلا أنها لم تفلح في إسكات صوت المعارضة الذي كان ينادي بنظام أخلاقي رافض كل تسوية سياسية وتائق إلى أدب شبيه بأدب عصر التنوير Letteratura illuministica.

ومن أبرز شعراء هذا الاتجاه أوجينيو مونتالي [ر] Eugenio Montale الذي صور في أبياته عِظام حبّار (1925) Ossi di Sepia والفرص (1939) Le Occasioni القلق الذي أصاب جيل العصر الذي كان يرى أن الحروب تهدد وجوده، والشيوعية تزيد مخاوفه والفاشية والنازية تسلبان حريته.

وفي المدة الواقعة بين عام 1930و1940 اشتهر شعراء ينتسبون إلى المدرسة الشعرية الهرمسية Ermetismo (نسبة إلى هرمس Hermes ابن الإله زيوس عند اليونان). وكانوا ينادون بالشعر الغامض والمبهم مقلدين في أساليبهم الشعراء الفرنسيين مالارميه[ر] Mallarme ورامبو[ر] Rimbaud وفاليري[ر] Valéry. وتجلى هذا الأسلوب في أعمال ألفونسو غاتو Alfonso Gatto وأدريانو غراندي Adriano Grande وماريو لوتزي Mario Luzi وفيتوريو سيريني Vittorio Sereni وليوناردو سينيسغالي Leonardo Sinisgalli وسيرجيو سولمي Sergio Solmi وبخاصة سلفاتوري كوازيمودو[ر] Salvatore Quasimodo الحائز جائزة نوبل والذي أضاء جوانب الواقع بدعوته من زوايا شعرية إلى عالم يخلو من الحقد والعذاب.

وكان الشعر الفرنسي قد ترك أثراً واضحاً في الشعر الإيطالي في القرن العشرين كما يتجلّى في أعمال جوزيبي أونغارِتّي[ر] Giuseppe Ungaretti الذي عكس شعره تجربته الحزينة في الحياة وفي شعر أومبرتو سابا[ر] Umberto Saba الذي ربط آلامه بالواقع الاجتماعي.

إلا أن المدرسة الهرمسية أحدثت فرزاً عميقاً في المجتمع عندما ابتعدت عن الكلمة المبسطة كلمة الفئة البرجوازية.

ومع انقشاع سحب الحرب العالمية الثانية شهد العالم تحولات جذرية ونهض الأدباء الإيطاليون ليشيّعوا أحزان الماضي الوجيع ويستقبلوا طلائع الفجر الجديد بحماسة، فقد ربحوا الكلمة الحرة، وكان لابد من الثورة على أشكال الحياة القديمة في التفكير والتعبير. وصار الأديب ينظر إلى الحياة نظرة شاملة تحاول أن تربط ظواهر الحياة بحركتها وتناقضاتها ودوافعها المختلفة، ومن أثر ذلك تجددت الوسائل التعبيرية للأجناس الأدبية وتنوعت أساليبها. فبرز الشعر الحديث وكان ثورة على الشعر التقليدي في كل عناصره التعبيرية، وحطم وحدة القافية ورتابتها وجنح للتعبير بالصورة الرمزية التي تكثف التجربة الشعورية في صورة عميقة الدلالة، ونزعت الألفاظ إلى السهولة حتى كادت أن تكون لغة الحديث العادي، لكن الشعراء شحنوها بمعان ملونة جديدة تجاوزت معانيها التقليدية وجاءت التراكيب في نسق ظاهرُهُ السهولة والنثرية لكنه ينبض بانفعالات الشاعر وروحه. وتخلى الشعر الحديث عن الخطابة وتهاويل الحماسة، وحاول أن يكون حديث النفس ونجواها.

وفي مجال المسرح ازدهرت المسرحية ازدهاراً واسعاً وتكوّن لها جمهور كبير. وكانت مجالاً رحباً لمعالجة القضايا السياسية الكبرى التي تشغل اهتمام الإنسان. وصار الأدباء ينشدون ضرورة وحدة إيطالية ويبينون المقومات التي تهيئ لها السبل إلى التحقق. واكتسب مسرح لويجي بيرانديلو[ر] Luigi Pirandello شهرة عالمية؛ وتحررت الكلمة والعاطفة في مسرح الغروتسك Teatro Grottesco (المسرح المضحك المحاط بالغرابة).

وفي مجال النقد الأدبي لمع اسم بِنِديتو كروتشه [ر] Benedetto Croce الذي ناهض في مجلة «النقد» (1903-1944) La Critica أدب الانحطاط والتدهور الذي ساد في نهاية القرن التاسع عشر. وكانت نظريته المثالية تنادي بالمثل العليا الكامنة في الوحي الداخلي للنفس البشرية. أما المؤرخ الناقد أنطونيو غرامشي[ر] Antonio Gramsci فكان من رواد الاشتراكية ومن ثم أصبح من مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي. وشهدت نهاية الحرب العالمية الثانية انتشار الفكر الماركسي.

أما الرواية فقد حظيت باهتمام كبير لدى الجماهير المثقفة جعلها تتقدم على سائر الأجناس الأدبية لقدرتها على استيعاب الحياة استيعاباً أشمل وأعمق. وقد تنوعت اتجاهاتها فكان هنالك الاتجاه الإبداعي Storia Romantica الذي يحرك الأحداث بالعواطف ويسلط أضواء التحليل على هذه العواطف بمنأى عن ارتباطاتها بواقع الحياة وظروفها والاتجاه الواقعي النقدي الذي يكشف الجوانب السلبية في الواقع وينتقدها بإثارة الاحتجاج عليها ورفضها، ويصور أيضاً نهوض الوعي السياسي لدى الجماهير.

ومن أبرز الروائيين ألبيرتو بينكيرلي الملقب بألبيرتو مورافيا[ر] Alberto Moravia الذي اشتهر بروايته «اللامبالون» (1929) Gl'indifferenti وموضوعها اجتماعي يصور مورافيا فيها مشكلة العجز عن التكيف مع الحياة. وقد أعطى مورافيا هذه المشكلة الاجتماعية أولوية فتكررت مختلفةً في روايات أخرى منها «السأم» (1960) La Noia وفي مجموعة حكايات: «شتاء مريض» Inverno di malato و«نهاية علاقة» Fine di una relazione. ويذكر أيضاً من الروائيين المعاصرين إيليو فيتوريني Elio Vittorini («القرنفل الأحمر» (1933-1934) Il Garofano rosso ـ «حديث في صقلية» (1938-1939) Conversazione in Sicilia وكارلو برناري Carlo Bernari الذي ابتعد عن اللغة الأدبية عندما كتب روايته «ثلاثة عمال» (1934) Tre operai وفاسكو براتوليني Vasco Pratolini الذي عرف بكتابيه «واقعة عائلية» (1947) Cronaca familiare و«وقائع عاشقين بائسين» Cronache di poveri amanti  (1947)، وإيتالو كالفينو Italo Calvino الذي صنف بين أدباء المقاومة («درب بيوت العنكبوت» (1947) Il Sentiero dei nidi di ragno و«القط النمر» Serval).

ومن الروايات الشهيرة التي صدرت بعد وفاة كاتبها رواية «الفهد» Il Gattopardo لجوزيبي توماس دي لامبيدوسا. كما تُذكر رواية «حياة عنيفة»  (1959) Una vita violenta لبيير باولو بازوليني Pier Paolo Pasolini. كذلك حقق كارلو إميليو غادا[ر] Carlo Emilio Gadda شهرة في مجال الرواية ومن رواياته «معرفة الألم» (1963) La Cognizione del dolore.

وهكذا حقق الأدب الإيطالي وظيفته الاجتماعية والإنسانية إذ كان ظاهرة اجتماعية يصعب عزلها عن حركة المجتمع والتاريخ.

حنان المالكي

 

 


رقم صفحه البحث ضمن المجلد:427