الإسلام

الإسلام

 

الإسلام Islam أحد الأديان السماوية الثلاثة المنتشرة في العالم. وهو الدين الذي بشر به ودعا إليه، في القرن السابع للميلاد محمد بن عبد الله e (53 ق.هـ -11هـ/ 571-633م).

يفيد لفظ الإسلام لغة الانقياد والخضوع وهو مشتق من مادة سلم وأسلم بمعنى انقاد وخضع. ومعنى اللفظ شرعاً هو الانقياد والخضوع لإرادة الله تعالى في أمره ونهيه.

مقومات الإسلام

يشتمل الإسلام بمعناه الديني على العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والعقوبات والأخلاق.

العقيدة: العقيدة هي الركيزة الأولى للإسلام، ومن دونها لا يكون الإنسان مسلماً طوعاً بإرادته واختياره.

ومصدر العقيدة الإسلامية القرآن الكريم، وقد تولت السنة النبوية بيانه لقوله تعالى: )وأَنزَلْنا إِليكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلْنَّاس ما نُزِّلَ إليْهِم ولَعَلَّهم يَتَفكَّرُون( (النحل 44).

فالقرآن في عقيدة المسلم هو كلام الله تعالى المنزل بلسان عربي مبين على رسوله محمد r وحياً بوساطة الملك جبريل لفظاً ومعنى منجّماً في مدى ثلاثة وعشرين عاماً بحسب المناسبات، وكان الرسول يعيه في قلبه ثم يبلغه للناس بتلاوته عليهم، منفعلاً به، ثم فاعلاً في تبليغه وبيانه والعمل به والدعوة إلى ما جاء فيه.

والعقيدة الإسلامية مبثوثة في سور القرآن الكريم وآياته ببيان مشرق وأسلوب أدبي معجز ما عرفت العربية مثله. ومدار هذه السور والآيات على الإيمان بالله الواحد الأحد، وبأنه هو خالق السماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما. وأن وحدانيته تعالى هي محور رسالات أنبيائه ورسله منذ عهد أبي البشر «آدم» إلى خاتم النبيين والرسل «محمد بن عبد الله». ويشير القرآن، في سور وآيات كثيرة، إلى أن الأنبياء والرسل كلهم دعوا أقوامهم إلى عبادة الله الواحد من غير شريك، واجتناب عبادة الأوثان والأصنام، والإيمان باليوم الآخر، من ذلك قوله تعالى: )شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّين ما وَصّى بِهِ نُوحاً، والّذي أَوْحَينا إِليْك وما وصّيْنا به إِبراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَن أَقيمُوا الدّينَ ولا تَتَفَرَّقوا فيه( (الشورى 13). وأن الرسل جميعهم قد جاهدوا في سبيل هذه الدعوة وأنهم لقوا من أقوامهم الصد والاستهزاء والتحدي، وأن الله كان دائماً إلى جانب رسله ينصرهم ويمدهم بالصبر والعزم على النحو الذي صور فيه القرآن قصص الأنبياء والأمم السابقة. ليثبت به فؤاد نبيّه ويبشره بالنصر وحسن المآب.

تنوعت أساليب القرآن في الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك بالترهيب حيناً والترغيب والوعد بحسن الختام في الحياة الدنيا وفي الآخرة أحياناً. وقد أشار القرآن في معرض الرد على المشركين والكفار إلى أن محمداً e ما كان بِدْعاً من الرسل الذين يقر لهم أهل الكتاب بالرسالة كإبراهيم وموسى وعيسى، وأن الدين الذي يدعو إليه لا يخرج عن دعوتهم، وأن الفارق بين دعوته ودعواتهم بالشرعة والمنهج والشمول. فقد كان الرسل قبله دعاة لعبادة الله وحده في محيط أقوامهم، أما محمد e فقد خصه الله تعالى بدعوة الناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لهذا اختلف أسلوب الدعوة الإسلامية منهجاً وشرعة.

لقد جاءت رسالة الإسلام عامة صالحة للناس جميعاً إلى قيام الساعة لخصوصيات فيها لم تكن في الرسالات السابقة، وإن يكن الأساس الذي قامت عليه كل هذه الرسالات واحداً، وهو الدعوة لعبادة رب العالمين والخضوع لأوامره ونواهيه.

ألح القرآن الكريم إلحاحاً شديداً، بأساليب متنوعة على النهي عن الشرك بالله بطرقه المختلفة: من عبادة مظاهر الطبيعة، أو عبادة العظماء من الأسلاف أو عبادة أصنام وأوثان صنعها الإنسان بيده، ولعل مرد ذلك الإلحاح إلى أن الله تعالى نص في أكثر من آية على أنه كرّم الإنسان وميزه من سائر ما خلق، إذ سوّاه في أحسن تقويم وخصه بقدرات وطاقات لم يمنحها أحداً غيره. ومع أن القدرة على الخلق هي صفة من صفات الله المطلقة بغير حدود، فقد خص الله الإنسان بقدرة محدودة على الابتكار والتجديد، فكائن مخلوق بهذه الصفات المميزة لا يحق له ولا يجوز أن يخضع ويذل لإنسان مثله، أو لمخلوق دونه، مسخر له لينتفع به كالشمس والقمر والنار وما سوى ذلك، فإن فعل  الإنسان ذلك وعبد مخلوقاً مثله يكون قد تخلى عن كرامته التي خصه الله بها من دون سائر المخلوقات. ولهذا لم يتسامح الإسلام مع المشركين، ولاسيما مشركي العرب، إذ لم يقبل منهم بعد إقامة دولته إلا الإسلام أو القتل أو الأسر مع الفداء في حرب مشروعة، ليطهر جزيرة العرب من الشرك والأوثان، ولأن الأمة العربية هي التي اختارها الله لحمل لواء الدعوة الإسلامية إلى البشرية كافة، فلا يجوز أن يكون فيها شرك، في حين تسامح الإسلام كثيراً مع غير المشركين من أهل الكتاب، مع الإشارة إلى ما داخل عقيدتهم من شوائب. فدعا القرآن المسلمين إلى أن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وأن يبروهم ويقسطوا إليهم ما داموا غير معتدين.

العبادات: العبادة في الإسلام هي الخضوع التام لله خالق الأكوان ومدبرها، خضوعاً ظاهراً وباطناً. وهذه العبادة تضبط علاقة الإنسان بربه وسلوكه في المجتمع وتوقظ ضميره وتشعره برقابة الله عليه في تصرفاته من قول أو فعل أو نيّة، وتحثه على خشيته في السر والعلن، فتستقيم أفكاره وأقواله وأعماله ونياته. ولا يقتصر مفهوم العبادة على الخضوع فقط بل يشتمل على محبة المعبود الأوحد، وهو الله تعالى، الذي يمد الإنسان بمقومات وجوده. فإذا أحب اللهَ العابدُ له فإن الله يقابل هذه المحبة بمحبة مثلها أو أفضل منها، لقوله تعالى : )قُلْ إِنْ كُنْتُم تُحبّونَ اللَّهَ فاْتَّبِعوني يُحْبِبْكُم اللّهُ...( (آل عمران 31)، ومثل هذه المحبة لله توجب طاعته، لا عن رهبة فحسب، بل عن رغبة في إرضائه أيضاً، وفي ذلك إرضاء للنفس البشرية في تساميها وطموحاتها لتحقيق المثل العليا الإنسانية، فتتحرر من عبوديتها للشهوات والأهواء، أياً كان مصدرها، وتتحرر من الذل والخضوع لغير الله. وتتجلى مظاهر العبودية لله في قيام المسلم بشعائر معينة مفروضة عليه تسمى «العبادات»، وتشمل هذه العبادات الصلاة والزكاة والصوم والحج، ويضاف إليها عبادات أخرى هي نوافل يتقرب بها المسلم إلى ربه (انظر فيما يلي: أركان الإسلام).

المعاملات في الإسلام: نشأ مصطلح المعاملات مع نشأة الفقه الإسلامي ليدل على الأحكام التي نص عليها الشارع في تنظيم الصلات بين المسلم ونفسه. وبينه وبين غيره أفراداً أو جماعات وبيان ما ينطبق عليها.

والمعاملات أوسع الأقسام التي يشملها مفهوم الإسلام، لأن العقيدة والعبادات محدودة فيه، لعدم جواز الزيادة أو النقص فيهما بقياس أو اقتباس أو غيرهما، والأمر ليس كذلك في المعاملات وأحكامها لأنها قابلة للزيادة بطرائق الاجتهاد المختلفة من قياس واستحسان وترجيح للمصلحة العامة أو الخاصة.

وعلاقة الإنسان بنفسه وبغيره من مخلوقات الله متطورة زماناً ومكاناً. وهذه العلاقات تكاد تكون مستقرة في المجتمعات البدائية ما دامت في طور السكون، فإذا تطورت ودخلت طور المدنية والحضارة بتعقيداتهما وتشعباتهما ازدادت معاملاتها تعقيداً وتشعباً، وهذا ما عرفه الفقه الإسلامي في تاريخه منذ عصر الرسالة إلى اليوم.

إن الإسلام ينظر إلى الفرد عضواً في جماعة، وأنه كائن اجتماعي، أي أنه محتاج إلى غيره في جميع مراحل حياته، والجماعة التي هو عضو فيها بحاجة إليه أيضاً، فلا يكون ثمة وجود لها من غير أفرادها، ولا يمكنها أن تنمو وتتكاثر وتعلو وتتقدم إلا بجهودهم الفكرية والمادية، فلا بد من تنظيم الصلات بين الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه، وهذا ما جاء به الإسلام، فقد حرم منذ البداية قتل الإنسان نَفْسَه أو قتل غيره إلا بحق، وأوجب التضامن والتكافل بين المسلمين في السراء والضراء، والتواصي بالحق والمرحمة فيما بينهم ومع غيرهم أيضاً، وحرم الاعتداء على الأعراض، والاعتداء على الأموال، وأوجب اللين وحسن المعاشرة للوالدين والأقربين والجوار، وأوجب الإنفاق على الوالدين وإيثارهما والإنفاق على الزوجة والأبناء والأقارب والجوار المحتاجين واليتامى والمساكين وأبناء السبيل والغارمين.

ومنذ أن أقام الإسلام دولته ومجتمعه في المدينة المنورة أضاف إلى ما سبق معاملات جديدة، فشرّع قتال من يعتدي على المسلمين ومنع المسلمين من الاعتداء، لقوله تعالى: )وقَاتِلوا في سَبِيلِ اللّهِ الّذيَن يُقاتِلُونَكُم وَلا تَعْتَدوا، إن اللَّهَ لا يُحِبّ المُعْتَديِن( (البقرة 190)، وأُنزلت آيات كثيرة أبانت حالات قتال المشركين والكفار، وشروط هذا القتال، وشروط المهادنة والسلم والمعاهدات ومعاملة الأسرى وفدائهم، مما هو مفصل في كتب الفقه. كما شرع الإسلام أحكام المعاملات التجارية والمدنية كالبيع والشراء والمداينة، والإيجار والاستئجار، وما تنتجه الأرض وأحكام الجوائح، وأحكام الزواج والطلاق والعدة والحضانة، وأحكام العقود وشروط صحتها وبطلانها، والنيابة فيها كالتوكيل والقوامة والولاية وغيرها مما لا يتسع له في المجال.

وأحاط الإسلام المعاملات وأحكامها بمؤيدات يدخل بعضها في صميم العقيدة الإسلامية، فالجزاء عند الله دنيوي وأخروي، والجزاء الدنيوي بيّنه الله في الحدود التي سنها للناس، أما الجزاء الأخروي فهو التأكيد أن الله سيحاسب الناس على تصرفاتهم يوم الحساب إن خيراً فخير وإن شراً فشر، قال  الله تعالى: )فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، ومَنْ يَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ( (الزلزلة 7-8).

ولهذه المسألة كذلك علاقة بالأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وبالأوامر والنواهي المبينة في القرآن الكريم.

العقوبات: العقوبات في الإسلام نوعان: حدية وتعزيرية، فالعقوبات الحدية (أو الحدود في المصطلح الفقهي) هي العقوبات التي فرضها الله ورسوله على اقتراف بعض الأعمال المخالفة لأوامر الله ونواهيه، كعقوبة قتل القاتل عمداً (إذا طلب ورثة القتيل ذلك)، وقتل قطَّاع الطرق والعابثين بالأمن بالقوة والإكراه وباستعمال السلاح وغيره، ونفيهم وقطع أيديهم وأرجلهم كما جاء في أحكام الحرابة المذكورة في الآية الكريمة: )إنّما جَزاءُ الّذيِن يُحارِبُون اللَّهَ وَرَسُولَه ويَسْعَونَ في الأرضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلوُا أو يُصَلَّبوا أو تُقَطّعَ أيدِيْهِمْ وأَرْجُلُهُم من خِلافٍ أو يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ( (المائدة 33).

وأما العقوبات التعزيرية فهي العقوبات التي لم ينص عليها القرآن، ولا جاءت في السنة، وإنما يشرعها أولياء الأمور ويفرضونها على الإخلال بأمور أَمرَ الله ورسوله بها أو نهيا عنها، إذ يمكن لأولياء الأمور أن يعاقبوا المحتكر لما يحتاج إليه الناس، والشاهد بالزور، والمتعامل بالربا، والغاش للبضائع والسلع، والمماطل في أداء الحق مع القدرة على الأداء، والخائض في أعراض الناس، والمتخاذل يوم الزحف، أي الحرب، والفارّ من الحرب، والمتجسس على المسلمين، مسلماً كان أو غير مسلم، والمتقاعس في أداء الشهادة وعن إسعاف المريض أو الغريق، وما إلى ذلك من الأمور التي نُهي عنها المسلمون أو أُمروا بها على سبيل الإلزام أو الندب، من دون أن ينص القرآن أو السنة على عقوبة محددة لها. وإن إعطاء الإسلام أولياء الأمور حق إصدار القوانين والأنظمة في هذه القضايا بحسب الزمان والمكان يفسح في المجال واسعاً لضبط الجريمة في المجتمع وملاحقتها والعقوبة عليها، وإيجاد المؤيد المادي العقابي للحفاظ على أخلاق المجتمع ومقاومة الرذيلة والتهاون والإخلال بالواجبات الأدبية.

الأخلاق: الأخلاق في الإسلام هي القيم أو المبادئ التي دعا إليها لتوجيه سلوك الفرد والمجتمع، والتعبير  عن خصوصية المسلم وهويته، والقيم الإسلامية مجموعة متكاملة من المبادئ التي تعبر عن مذهب خاص في الحياة يمنح الحضارة الإسلامية  ملامحها المميزة، وهي قيم فردية واجتماعية وإنسانية ترتكز جميعها على الأمر بالمعروف والترغيب بالفضيلة، وحب الخير للناس جميعاً، والنهي عن المنكر، وذم الرذيلة، والحث على الابتعاد عن الشر كرهاً فيه، وذلك كله من أجل إقامة قواعد المجتمع الفاضل المبنية على تحقيق المصلحة للجميع ودرء المفاسد والأذى عنه، تفادياً لآثارهما الضارة.

تُبنى أحكام الأخلاق في الإسلام على أن النفس البشرية تملك استعداداً فطرياً للتخلق بالأخلاق الحسنة أو السيئة، والإنسان قادر على كشف عيوب نفسه ورياضتها على الخير والشر وتزكيتها وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: )ونَفْسٍ وما سَوَّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاها( (الشمس 8 -11)، وبهذا تكون تزكية النفس وتدسيتها (إفسادها) من عمل الإنسان.

وللأخلاق في الإسلام قيمة عظيمة، لأنها قوام شخصية الإنسان، وبها يختلف البشر فيعرف البر من الفاجر، وهي محط المسؤولية الجزائية والمدنية في الشرائع الدينية والدنيوية، وهي مكتسبة بالتلقين والاقتداء والفعل الإرادي. وللإيمان والعلم والأسوة الحسنة أثر مهم في تكوين أخلاق المسلم، وللبيئة الاجتماعية تأثيرها في بناء شخصيته، ومن هنا جاءت ضرورة أن يكون في المجتمع معلمون مربون ومرشدون ينشئون الأجيال على العمل الصالح وحب الخير والابتعاد عن كل ما يسيء إلى الفرد والمجتمع، لقوله تعالى: )وَلْتَكُنْ مِنْكُم أُمَّةٌ يَدْعونَ إِلى الخَيْرِ وَيأْمُرونَ بِالمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِك هُمْ المُفْلِحون( (آل عمران 104). بيد أن التحلي بالأخلاق الفاضلة ليس مجرد قيم يدعو إليها الإسلام، بل لا بد من انفعال النفس بها وتأثرها بها فيما ينبغي عمله وما لا ينبغي عمله، والسمو بها عن الدنايا والترفع عن الشرور والأذى، تحقيقاً لسعادة الفرد والمجتمع. ويتطلب ذلك من المسلم مجاهدة النفس والاشتغال بتزكيتها لترقى إلى تلك المرتبة. وليس ذلك بالأمر الصعب على المسلم المؤمن، لأن الإسلام أوثق الربط بين الإيمان بالله وبقدرته وباليوم الآخر والقيام بالعبادات والتحلي بالأخلاق الكريمة والتمتع بمتع الحياة، فنظمها جميعها في منظومة متكاملة غير منفصمة العرى، لذلك كان الأخذ بمكارم الأخلاق أساسياً وأيده التنزيل المحكم في آيات كثيرة منها قوله تعالى يصف المؤمنين: )الّذِيْن يُنْفِقونَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وَالكاظِمِيْنَ الغَيْظَ، وَالعافِينَ عَنِ الناسِ، وَاللّهُ يُحِبُّ المُحْسِنين( (آل عمران 134)، وقوله: )كُنْتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للِناسِ، تَأْمُرونَ بالمَعْروفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ( (آل عمران 110) وقول الرسول الكريم: « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

أركان الإسلام

أركان الإسلام خمسة وهي: الشهادتان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، كما جاء في الحديث الصحيح. وهي شعائر يؤديها المسلم لإظهار خضوعه لله تعالى وتقبله لأوامره ونواهيه، فإن فعل ذلك عد مسلماً، وإن لم يكن مطمئن القلب بها، وتجري عليه أحكام الإسلام.

الشهادتان: لابد للإنسان كي يكون مسلماً، بالمعنى الديني، من أن ينطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والنطق بالشهادتين مفتاح الدخول في الإسلام. والمراد بهما الإقرار بالله الواحد الأحد، وأن محمداً رسوله.

والشهادة بوحدانية الله هي الأساس الذي تقوم عليه العقيدة الإسلامية، أما الشهادة بأن محمداً رسول الله فهي تصديق بما أنزل على الرسول الكريم من قرآن ووحي.

الصلاة: الصلاة شعيرة من شعائر الإسلام، وهي أقوال وأفعال مخصوصة تؤدى في أوقات معلومة، لقوله تعالى: )إِنَّ الصَّلاة كَانَتْ على المُؤْمِنينَ كِتَابَاً مَوْقُوتاً( (النساء 103) فرضها الله على المسلم خمس مرات في اليوم، يقف فيها المسلم، بعد أن يتطهر طهارة خاصة، بين يدي ربه، مستقبلاً القبلة (الكعبة المشرفة)، فيفتتح صلاته بالتكبير ويقرأ القرآن، ويركع ويسجد، ويقوم بترتيب محدد بيّنه رسول الله بالفعل إذ قال: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» ويختم صلاته بالتشهد والتسليم.

يؤدي المسلم الصلاة المفروضة منفرداً أو جماعة وفي المسجد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يتيسر له ذلك أدّاها حيثما وُجِد، شريطة توافر النظافة والطهارة المخصوصة، وثمة صلوات أخرى تُؤدّى جماعة، منها ماهو فرض عين كصلاة الجمعة بدل صلاة الظهر (ماعدا النساء) أو فرض كفاية كصلاة الجنازة، ومنها ما هو واجب أو سنة مؤكدة. وللمسلم أن يتطوع بصلوات أخرى تسمى النوافل، وهي صلوات يُتقرب بها إلى الله تعالى. ويمكن الرجوع إلى الفقه للوقوف على كيفية الصلاة وأوقاتها، وشروطها وما يُتلى فيها.

والصلاة أقدم عبادة بدنية عرفها الإنسان، وقد شرعت لتكون صلة بين العبد وربه، لتهذيب النفس، والتحلي بالفضائل، وتعوُّد النظام، وحسبان الوقت، والتعامل مع الجماعة، وتعارف المؤمنين. وقد قال تعالى: )آُتلُ ما أُوحِيَ إِليْكَ مِنَ الكِتَابِ، وأَقِمِ الصّلاةَ، إِنّ الصّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِِ. وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبرُ، واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعون( (العنكبوت 45).

الزكاة: هي الركن الثالث من  أركان الإسلام، وقد جاء الأمر بوجوبها في آيات كثيرة من القرآن، مقرونة بإقامة الصلاة، كقوله تعالى: )وَأَقيِمُوا الصّلاةَ وَآتُوا الزّكاةَ وَارْكَعوا مَعَ الرّاكِعِين( (البقرة 43)، والزكاة حق معلوم في مال المسلم يؤديه سنوياً، وهي واجبة في كل مال مباح مُتقوَّم يحوزه. وإذا كان الأمر بأداء الزكاة قد جاء في القرآن مجملاً، فإن السنة النبوية بينت، كما في الصلاة، مقاديرها وأنواعها والأموال التي تفرض عليها.

والزكاة تجب في أنواع من الأموال: كالنقود والسبائك المتداولة والمدّخرة، وعروض التجارة، والزروع والثمار، والمواشي، والمعادن والركاز. وكلها تؤدى في العام مرة واحدة بشرط وجود النصاب الشرعي، ماعدا زكاة الزروع التي تؤدى فور الحصاد أو جني الثمار والغلال.

والزكاة نوع من العبادة يقصد بها تطهير المال وتحصينه، وهدفها تحقيق نوع من التكافل الاجتماعي، وهي حق معلوم للفقير في مال الغني لا منّة فيه، لقوله تعالى: )خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطَهِّرهُمُ وَتُزّكِيهم بها( (التوبة 103)، ولقوله )وَالّذِينَ في أَمْوالِهِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ، لِلسائِل وَالمَحْروم( (المعارج 24 ـ 25). وقد حدد الله أوجه صرف الزكاة في قوله: )إنَّما الصّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِين وَالعَامِلينَ عَلَيْها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وَفي الرِّقابِ وَالغارِمِينَ وَفي سَبِيِل اللّهِ وَاْبنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ، وَاللّهُ عَليمٌ حَكيمٌ( (التوبة60). وقد أوجب الإسلام  أداء الصدقات، ومنها الزكاة، عن طيب نفس وابتغاء مرضاة الله، فإن لم يتحقق ذلك، كأن يؤدي المسلم الزكاة رئاء الناس، فلا ثواب له، وإن انتفع فيها مستحقوها. ولا يخفى ما لأداء الزكاة من أثر كبير في المجتمع، وأما المقدار المفروض في الزكاة فهو 2.5% من رؤوس الأموال من النقد والعروض والأرباح، والعشر أو نصف العشر من الغلات الزراعية بحسب كونها سقياً أو بعلاً وتكون تصاعدية في الأنعام والمواشي (الإبل والبقر والغنم) من دون سواها كالخيل والبغال والحمير ما لم تكن للتجارة على أن تبلغ النصاب، وأن يحول عليها الحول، وأن تكون سائمة ترعى الكلأ المباح. وتوجب بعض المذاهب الإسلامية (مالك والليث) الزكاة في المواشي مطلقاً، سواء كانت سائمة أو معلوفة، ويمكن الرجوع في بيان أوجه الزكاة وأنصبتها إلى كتب الفقه.

الصوم: الصوم في معناه الشرعي الإمساك عن الطعام والشراب وقضاء الشهوة نهاراً، من الفجر وحتى غروب الشمس وصوم شهر رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وهو فريضة على كل مسلم عاقل بالغ في حال القدرة على الصيام، وفي حال الإقامة. فإذا كان المسلم مريضاً أو على سفر فلا فريضة للصيام عليه في شهر رمضان، ويصوم عما أفطر من ذلك الشهر أياماً أُخر، لا يشترط فيها التتابع، وكذلك الحكم في المرأة الحامل إذا كان الصيام يؤذيها أو يؤذي حملها، وفي النفساء، والمرأة الحائض أيضاً، وفي هاتين الحالتين يكون الإفطار واجباً شرعاً.

والصيام كغيره من العبادات فريضة قديمة على الإنسان لقوله تعالى: )يَا أيُّها الّذِين آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ  الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَكُم تَتَّقونَ( (البقرة 183)، وفي قوله )لعلكم تتقون( إشارة لما للصيام من قيمة اجتماعية وخلقية، فالصوم يحث الصائم على تقوى الله وتجنب المعاصي، ويطهر نفس الصائم بتركه الشهوات امتثالاً لأمر الله، واحتساباً للأجر عنده، وفيه تعويد للنفس على العفّة، وتربية للإرادة والصبر، فضلاً عن فوائده الصحية. وشهر رمضان هو الشهر التاسع من السنة القمرية، وهو الذي قال الله تعالى فيه: )شَهْرُ رَمَضانَ الّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ، هُدىً لِلناسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدىَ وَالفُرقانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشّهرَ فَلْيَصُمْهُ( (البقرة 185).

الحج: الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام وهو يعني زيارة البيت الحرام في مكة المكرمة، ويشمل الطواف بالكعبة بعد الإحرام من الميقات، والوقوف بجبل عرفة عصر اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، ثم الإفاضة إلى المزدلفة والمشعر الحرام والمبيت في مِنَى يومين أو ثلاث ليال ورمي الجمار، ثم العودة إلى مكة والطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، وتقديم الهدي وجزاءات المخالفات الشرعية في أثناء ذلك، والحلق أو التقصير، وكل ذلك في أيام معدودات وأوقات محددة، ووفق مناسك وشعائر معلومة. وبانتهاء هذه المناسك في أيام عيد الأضحى تنتهي  شعيرة الحج، وهي فريضة على المستطيع مرة واحدة في العمر. والاستطاعة هنا تعني الاستطاعة المالية والبدنية، مع توافر الأمن في الذهاب والإياب والإقامة. لقوله تعالى: )وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطاعَ إلَيهِ سَبيلاً( (آل عمران 97).

والحج إلى البيت الحرام عبادة قديمة ترجع جذورها إلى زمن إبراهيم الخليل عليه السلام، ولمناسكه معان روحية عميقة مقتبسة من سيرة أبي الأنبياء إبراهيم وزوجه هاجر وابنه إسماعيل. وفي القرآن الكريم إشارات إلى ذلك كقوله تعالى: )وإذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِِ وإسماعيلُ، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا، إنَّكَ أَنْتَ السّمِيعُ العَلِيمُ، رَبَّنا واجْعَلْنا مُسلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَينا إِنَّكَ أنْتَ التّوابُ الرحِيمُ( (سورة البقرة 127- 128). والمشهور أن الحج فرض على المسلمين عند الجمهور في السنة السادسة للهجرة، بيد أن الرسول لم يحج إلا في السنة العاشرة فكانت حجة الوداع.

للحج حِكَم كثيرة ومنافع عدة، ويشير القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: )وَأَذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضَامرٍ يَأْتِيْنَ مِنْ كُلِّ فَجٍ عميقٍ، لِيَشْهَدوا مَنافِعَ لَهُمْ، وَيَذْكُروا اسْمَ اللهِ في أَيّامٍ مَعْلُومات عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنّ بَهيمَةِ الأنْعام، فَكُلوا مِنْها وَأَطْعِموا البائِسَ الفَقير( (الحج 27-28). ومنافعه دينية ودنيوية، مادية ومعنوية، وسياحة إلى مهبط الوحي، وموطن النبوة، وهو إلى جانب ذلك مؤتمر إسلامي كبير لتبادل الرأي والمشورة والتعارف، يتساوى فيه الناس.

أما العمرة التي دعا الله المؤمنين إلى القيام بها بقوله تعالى: )وَأَتِمّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلّه( (البقرة 196) فهي أن يقصد المسلم المستطيع البيت الحرام للطواف والسعي في أي وقت من السنة.

الإسلام والإيمان

الإيمان لغة يعني التصديق، وفي المصطلح الديني هو التصديق مطلقاً، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، ونقيضه الكفر. ولا يكون المؤمن مؤمناً إلا إذا صدّق بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. يترتب على هذا أن يكون المؤمن مسلماً، لأنه لا بد للمؤمن من أن يُسلم إرادته لإرادة الله في أمره ونهيه، وبذلك يكون كل مؤمن مسلماً، وليس العكس صحيحاً بالضرورة، فيكون الخطاب الموجه في القرآن إلى المؤمنين في مئات الآيات موجهاً إلى المسلمين في الوقت نفسه، مثل قوله: )يا أيها الذين آمنوا(. أما لفظ الإسلام فقد لا يشمل الإيمان في بعض استعمالاته كقوله تعالى: )قَالتِ الأَعْرابُ آمنّا، قُلْ لم تُؤمِنُوا ولكِنْ قُولوا أَسْلَمْنا، ولَمّا يَدْخُل الإِيمانُ فِي قُلِوبِكُم( (الحجرات 14)، وفي ذلك إشارة قرآنية إلى وجود فرق في المعنى بين لفظي الإسلام والإيمان، وليس هذا بالأمر المطّرد، إذ أورد القرآن آيات كثيرة، عنى بلفظ الإسلام والمسلمين فيها الإيمان والمؤمنين، ومن ذلك قوله تعالى: )قُولوا آمنّا بِاللّهِ وما أُنْزِل إلَيْنا، وما أُنْزِلَ إلى إِبراهيمَ وإسماعِيلَ وإسْحقَ وَيَعْقوبَ والأسباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى، وما أُوتِيَ النبيون مِنْ رَبِّهِم، لا نُفَرِّقُ بينَ أَحَدٍ مِنْهُم، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمون( (البقرة 136).

وبذلك يكون بين لفظ الإسلام ولفظ الإيمان وما اشتق منهما عموم وخصوص فيما ورد في القرآن والسنة، فقد يدل أحدهما على الآخر كقوله تعالى: )إِنْ كُنْتُم آمَنْتُم بِاللّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُم مُسْلِمين( (يونس 84). وقد يكونان متغايرين كما هو الحال في وصف الأعراب في الآية السابقة. فالأصل أن يجتمع معنى الإيمان والإسلام في دلالتهما إلا إذا دلت قرينة على خلاف ذلك، فيكون لكل منهما دلالته، وهو الذي أشار إليه النبي e في الحديث الصحيح المعروف «بحديث جبريل» حين سأله جبريل عن الإسلام على سبيل التعليم فأجاب: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال صدقت...» وإذ سأله عن الإيمان أجاب: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صدقت...» وإذ سأله عن الإحسان أجاب «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ويستدل من هذا الحديث أن الدين ثلاث درجات الإحسان والإيمان والإسلام، فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً. والإيمان إذا أطلق لا يقتصر على ما في القلب من تصديق واطمئنان، بل يتجاوز ذلك إلى الأعمال وفعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا واضح في آيات وأحاديث كثيرة كقوله تعالى: )إنَّ الّذينَ آمَنُوا وعَمِلوا الصّالِحاتِ...( (البقرة 277) وقوله: )قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنون الذين هُم في صَلاتِهِم خاشِعون، وَالذِينَ هُمْ عَنْ اللّغْوِ مُعرِضون، وَالذينَ هُمْ لِلْزَكاة فاعِلونْ...( (المؤمنون1-4) ومن ذلك قول النبي e: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». والإيمان درجات، وهو قابل للزيادة والنقص كما يستدل من قوله تعالى: )وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِم آياتُهُ زَادَتْهُم إِيماناً( (الأنفال 2) وقوله: )فَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُم إيماناً وَهُم يَسْتَبْشِرون( (التوبة 124) وفي الحديث الشريف: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

أما الإحسان: فهو أعلى مراتب الإسلام والإيمان، لما فيه من التوجه الخالص لله في كل قول أو عمل أو نية، فهو يجمع كمال الإخلاص والإتيان بالفعل الحسن، كقوله تعالى: )بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُم يَحْزَنون( (البقرة 112).

التشريع في الإسلام

التشريع في لغة العصر هو وضع القوانين، ولا يختلف هذا التعريف عن المعنى الأصلي في اللغة، لأن لفظ التشريع مشتق من «شرع»، ومن معانيه سن العقائد والأحكام، وقد ورد اللفظ بهذا المعنى في الآية الكريمة: )شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ ما وَصّى بهِ نوحاً والذي أَوْحَينا إِليك( (الشورى 13). والشريعة ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام على لسان نبيه سواء كانت متعلقة بالعقيدة أو العبادات أو المعاملات، وهي تحدد علاقة الإنسان بربه، وبأخيه المسلم، وبأخيه الإنسان وبالكون. وقد أحكمت قواعد هذه الشريعة وكملت أصولها في زمن النبي e.

ومصادر التشريع هي: القرآن، والسنة، والاجتهاد. فالمشرع الأول هو الله تعالى، وتشريعه جلي واضح في القرآن الكريم تناول فيه الأمور الدينية المحضة والأمور الدنيوية. فمن الأمور الدينية: ما شرعه من صلاة وزكاة وصوم وحج، ومن الأمور الدنيوية ما شرعه من أحكام البيع والشراء والدَّين والزواج والطلاق والإنفاق والوصية والإرث والقتال والصلح والعهد والسلم والعقوبات على الجرائم وغيرها. ولا تزيد آيات الأحكام التي شرعها الله للمسلمين في كتابه على عُشْر مجموع آياته، وقد أحصاها بعض علماء الأصول بخمس مئة آية، وأكثرها في العقيدة والأمور الدينية، ومنها ما هو موجز، ومنها ما هو مفصل، كأحكام الإرث والأسرة وتربية الأولاد والإرضاع والنفقة.

والسنة: هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام وهي في اصطلاح الفقهاء ماصدر عن النبي r من أقوال وأفعال في الأمور التي لم يُنص عليها في القرآن أو نص عليها مجملاً بالاستناد إلى قوله تعالى: )مَنْ يُطِعِ الرّسولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ( (النساء 80). وقوله تعالى: )وَأَطيعوا اللّه وأطيعُوا الرّسُول( (التغابن 12). وقوله: )وَأَطيعوا اللّه وَالرّسُولَ لَعَلْكُم تُرْحَمُون( (آل عمران 132). ومعلوم أن طاعة الله والرسول لا تكون إلا بامتثال أوامرهما ونواهيهما، وهي شريعة للمسلمين، وليس لأحد منهم أن يعصيها، لقوله تعالى: )وَما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً مُبِيناً( (الأحزاب 36). والسنة لا تقتصر على بيان ما في القرآن من مجمل، بل تتعداه إلى التشريع في الأمور التي لم يفصل فيها القرآن كالمعاملات المدنية والعقوبات وغيرها، إضافة إلى القدوة الحسنة التي كان لها شأن عظيم في بناء المجتمع الإسلامي. وقد أوجب الله على المسلمين الاقتداء برسول الله والتأسّي به في أقواله وأفعاله وخلقه وسلوكه، لقوله تعالى: )لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً( (الأحزاب 21).

والمصدر الثالث في التشريع الإسلامي الاجتهاد: وهو بذل الجهد العقلي في فهم النص لمعرفة دلالته وأسبابه والواقعات التي يشملها ومدى تطبيقه عليها، وفي حال عدم ورود نص في المسألة المطروحة فإنه لا بد من بذل الجهد العقلي لمعرفة طبيعتها وآثارها في الفرد والمجتمع، ليمكن بعد ذلك إعطاء حكم فيها من ذوي الاختصاص العلمي، لأن العلم هو الذي يعطي التصور الصحيح للمسألة، ولا يمكن من دون هذا التصور إعطاء حكم صحيح فيها. فالاجتهاد في الإسلام، تأسيساً على ذلك، يضطلع به حصراً، فيما ورد فيه نص، وما لم يرد فيه نص علماء مختصون هم أولياء الأمور والأئمة الأعلام في الاجتهاد من أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وجعفر الصادق والأوزاعي. ولأولي الأمر من المسلمين حق الطاعة عليهم بصريح الآية: )يا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا  أَطيعوا اللّه وأطيعُوا الرّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ...( (النساء 59)، وكذلك الآية: )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُم لَعَلِمَهُ الّذيِنَ يَسْتَنْبِطونه مِنْهُم...( (النساء 83).

وأولو الأمر من المسلمين هم الحكام والعلماء والقضاة والقادة، ويشرِّع كل واحد من هؤلاء في مجاله، في الأمور السياسية والإدارية  والقضائية والحربية فيما لم يشرع الله ورسوله فيه، وتأتي طاعتهم فيما يشرعون بعد طاعة الله ورسوله وهي مستمدة منهما، واستمدادها من الله تعالى بيّن، بصريح الآيات المشار إليها، وأما استمدادها من الرسول e، وهو ولي أمر المسلمين بعد الله تعالى، فيدل عليه ما جاء في حديث معاذ بن جبل حين أرسله الرسول e والياً وقاضياً إلى اليمن إذ قال: «كيف تصنع إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله». وكذلك ما جاء في حديث علي بن أبي طالب إذ قال: «قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا، لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه منك سّنة؟ قال: اجمعوا العالِمين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم»، وقد جاء في السيرة أن النبي e كان يعطي أمراء الجيوش والسرايا حق الحكم بما يرون فيه مصلحة المسلمين، بقوله للواحد منهم: «إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا».

من هذه النصوص وغيرها جاءت مشروعية الاجتهاد في الإسلام لمن هو أهل له، من عالم أو حاكم أو قائد أو قاض أو رجل إدارة أو غيرهم، فيما لم يرد فيه نص في كتاب الله وسنة نبيه. وإذا كان من الأمور المسلم بها فقهاً، سواء في الشريعة الإسلامية أو في القانون الوضعي، أنه لا اجتهاد في مورد النص، فإنه لا خلاف في ضرورة بذل الجهد العقلي في فهم النص. ومن أولياء الأمور المجتهدين الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وقد بني على اجتهادهم أحكام كثيرة ما زالت معتمدة إلى اليوم. من ذلك مثلاً أنهم ورَّثوا الجد الذي توفي ابنه قبله وترك أولاداً وأموالاً، فخصوه بالسدس كالوالد الذي توفي أحد أولاده، من غير أن يكون ثمة نص على هذا التوريث في الكتاب أو السنة. ومن ذلك أيضاً تضمين الصنّاع كالخياطين ما تلف لديهم من نسيج كُلِّفوا خياطته، كما أباحوا عقد الاستصناع، أي التعاقد على صنع شيء، مع عدم وجود ذلك الشيء المتعاقد عليه وقت العقد، وذلك للحاجة، مع أن التعاقد على معدوم باطل. كذلك ذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى معاقبة الجماعة إذا شاركوا في قتل إنسان في غير حلٍ، ووافقه على ذلك جل الصحابة، مع أن النص القرآني يعاقب من يباشر القتل، من دون النص على معاقبة من يساعد عليه أو يقدم عوناً للقاتل، كأن يزوده بسلاح، أو يمسك المعتدى عليه حتى لا يفلت. وبهذا تكون مهمة الاجتهاد في الإسلام إيجاد الحلول الصحيحة للواقعات المستجدة التي لم يرد فيها نص أو لم يفسرها نص. وقد نشأ عن ذلك تراث فقهي ضخم لا مثيل له عند سائر الأمم، واستعان به  الحكام والمشرعون من المسلمين وغير المسلمين، ووجد فيه نابليون وعلماء القانون الذين اصطحبهم معه في غزو مصر منهلاً خصباً مكّنهم من وضع القانون الذي عرف بتقنين نابليون Code napoleon، وهو أول تقنين عصري تبنته دول وحكومات كثيرة.

ومن مهمات الاجتهاد كذلك تفسير النص القرآني أو السنة وبيان الملابسات والواقعات التي يطبق فيها أو لا يطبق، لاعتبارات يراها الفقيه المجتهد، ومن ذلك مثلاً اجتهاد عمر بن الخطاب في خلافته في عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة والأموال العامة، مع النص على ذلك في القرآن الكريم صراحة: )إنّما الصّدَقاتُ للْفُقَراء وَالمَساكِينَ والعَامِلينَ عَلَيْها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُمْ وفي الرقابِ والغَارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللّهِ وابنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِنَ اللهِ، والّلهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( (التوبة 60) بمقولة: إن هذا النصيب كان يعطى للمؤلفةِ قلوبُهُم عندما كان الإسلام ضعيفاً، أما وقد أصبح الإسلام قوياً فلا حاجة لتأليف القلوب بالمال، ومن ذلك أيضاً اجتهاده بإيقاف  تطبيق حد السرقة في عام الرمادة (عام المجاعة) مستنداً في ذلك إلى قول رسول الله: «ادرؤوا الحدود بالشبهات».

يبنى الاجتهاد على النظر في محتمل القرآن والسنة، وإلحاق ما لم يُنَصّ على حكمه بما نُص على حكمه، وتطبيق القواعد الكلية على الحوادث الواقعة، مثل قاعدة: «الأصل في الأشياء الإباحة». ويشتمل الاجتهاد على الإجماع والقياس والاستحسان والاستصلاح والعرف والذرائع والاستصحاب وغير ذلك مما هو معروف في كتب أصول الفقه.

والإجماع هو اتفاق علماء العصر أو المجتهدين من أمة الإسلام على حكم شرعي. ويستمد مبدأ الإجماع أصله من بعض آيات القرآن.

وكان إجماع الصحابة على قول أو فعل من الأمور المسلَّم بها، ثم أخذ المسلمون الأُوَل بإجماع التابعين أو إجماع أهل المدينة أو إجماع أهل الأمصار، (وجعل الإمام الشافعي الإجماع مبدأ عاماً مقرراً، وإن كانت بعض المذاهب الإسلامية لا تعترف إلا بإجماع الصحابة خوفاً من البدع). ويكون الإجماع في القول وفي العمل.

أما القياس: فهو تسوية واقعة لم يرد فيها نص بواقعة ورد فيها النص، لتساوي الواقعتين في علة الحكم.

وأما الاستحسان فهو العدول عن حكم اقتضاه دليل شرعي في واقعة ما، إلى حكم آخر فيها لدليل شرعي اقتضى هذا العدول. وسند الاستحسان أنه ثبت من استقراء الوقائع وأحكامها أن اطراد القياس أو استمرار العموم أو تعميم الكلّي قد يؤدي في بعض الوقائع إلى تفويت مصلحة الناس. لأن هذه الوقائع فيها خصوصيات تجعل الحكم بموجب القياس يجلب مفسدة أو يفوت مصلحة، ومن العدل أن يُفتح للمجتهد باب العدول في مثل هذه الوقائع عن حكم القياس إلى حكم آخر يحقق المصلحة ويدفع المفسدة.

وأما الاستصلاح فهو عند علماء الفقه تشريع الحكم في واقعة لا نص فيها ولا إجماع مراعاة لمصلحة مرسلة أو مطلقة، بمعنى أنها مصلحة لم يرد عن الشارع دليل لاعتبارها أو إلغائها. ويسميه بعضهم: «العمل بالمصلحة المرسلة». وسنده قول رسول الله e: «لا ضرر ولا ضرار».

وأما العرف فهو ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم، وحكمه الشرعي: العمل بالعرف إذا لم يخالف نصاً في الكتاب والسنة، وقد أخذ الرسول بالعرف في أمور كثيرة منها: المضاربة والمساقاة وبيع السّلَم والاستصناع.

وأما الذرائع: فهي في اصطلاح الفقهاء الوسائل المؤدية إلى أمر محرم أو مأمور به أو مباح، ويدور حكمها بين الحرمة والوجوب والندب بحسب المفسدة أو المصلحة التي تتحقق بها، وقد جاء الأخذ بالذرائع في آيات وأحاديث كثيرة، منها قوله تعالى: )وَأَعِدّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُم( (الانفال 60).

وأخيراً فإن الاستصحاب هو عند الفقهاء: الحكم ببقاء أمر محقق لم يُظّن عدمه، أي عدّ شيء ثبت وجوده في الماضي مستمر الوجود إلى أن يقوم دليل على خلاف ذلك، ومن أمثلته الحكم بوجود إنسان على قيد الحياة وإن غاب عن الأنظار وانقطعت أخباره إلى أن يقوم دليل أو قرينة على وفاته وعندئذ يحكم بتصفية تركته، وبذلك يكون الاستصحاب مستنداً لكثير من الأحكام التشريعية والقضائية في الإسلام.

ويشتمل التشريع في الإسلام على الأوامر والنواهي في الأمور التعبدية والدنيوية، فمن الأوامر في الأمور التعبدية: قوله تعالى: )وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزّكاةَ( (البقرة 43). وفي الأمور الدنيوية قوله: )إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُم أَنْ تُؤَدّوا الأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ  النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ( (النساء 58) وقوله: )يا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُسَمّى فَاكْتُبوهُ( (البقرة 282). ومن النواهي في الأمور الدينية: قوله: )وَاعْبُدوا اللّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً( (النساء 36) وقوله: )قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُم أَنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً( (الأنعام 151) وفي الأمور الدنيوية: قوله: )وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ وتُدْلُوا بِها إِلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنَ أَمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُم تَعْلَمون( (البقرة 188)، وقوله: )وَلا تَنْكِحوا مَا نَكَحَ آباؤُكُم مِنَ النِّساءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ، إِنّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتَاً وَساءَ سَبِيلاً( (النساء 22).

وقد يكون النهي في صيغة التحريم كقوله تعالى :)حُرِّمَتْ عَلَيْكُم أُمَّهاتُكُم وَبَناتُكُم وَأَخَواتُكُم وعَمَّاتُكُم وِخالاتُكُم وَبَناتُ الأَخِ وَبَناتُ الأُخْتِ...( (النساء 23)، وقوله: )حُرِِّمَتْ عَلَيْكُم المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ، وَالمُنْخَنِقَةُ، وَالمَوْقوذَةُ وَالمُتَردِّيَةُ، وَالنَطِيحَةُ وَما أَكَلَ السّبْعُ إلا ما ذكّيتم( (المائدة 3).

ومن المحرمات في الإسلام ما يكون تحريمه مطلقاً في كل الأحوال من دون استثناء، كتحريم الزواج من النساء المشار إليهن في الآية السابقة، ومنه مايحرم تحريماً مطلقاً كذلك إلا أنه يخضع لاعتبارات استثنائية، كالاضطرار في المجال الفردي والحاجة في المجال العام، ومنه ما جاء في الآية: )إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُم المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ، فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنّ اللَّهَ غَفورٌ رَحِيمٌ( (النحل 115). وقد صاغ فقهاء المسلمين من هذه الآية وغيرها قاعدة فقهية هي «الضرورات تبيح المحظورات».

بعض القيم التي دعا إليها الإسلام

 تلقى الرسول e الوحي الإلهي القرآني «بلسان عربي مبين» فكان القرآن الكريم معجزاً ببيانه وبلاغته، ولا سبيل إلى فهم رسالته ومعانيه، وحكمه فهماً دقيقاً ومتقناً، إلا بمعرفة اللسان العربي والتعمق في معاني مفرداته وتراكيبه ولاسيما ما كان متداولاً منها وقت التنزيل وما قبله. ولهذا ينكبُّ علماء الشريعة عرباً كانوا أو عجماً، على دراسة علوم اللغة العربية وآدابها، كذلك يجب على كل مسلم أن يكون لديه حد أدنى من معرفة اللغة العربية، وأن يتعلم كيف يتلفظ بها، ولهذا السبب أيضاً انتشرت اللغة العربية مع انتشار الإسلام، وشجعت حركة التعريب سكان البلاد التي دخلت في الإسلام على تعلم هذه اللغة وإجادتها حتى غدت لغة التخاطب والعلوم.

والعلم في المفهوم الإسلامي علمان: علم موضوعه عالم الطبيعة والكون وما فيهما من جماد ونبات وحيوان، وهو «عالم الشهادة» في المصطلح القرآني، وعلم موضوعه ما وراء الطبيعة، وهو في المصطلح القرآني «عالم الغيب». والعقل الإنساني يستطيع أن يجول في العلم الأول ويصول بلا حدود، ويتقبل الإسلام معطياته المؤكدة بالمشاهدة والتجربة، وأما العلم الآخر فجولان العقل فيه محدود، لأنه غير خاضع للمشاهدة أو التجربة، وموضوعه في الإسلام وجود الخالق وصفاته والحياة بعد الموت وما فيها من نعيم أو عذاب، ومحاسبة الإنسان على معتقده وأفعاله وأقواله في حياته الأولى، ومجال العقل في هذا العلم التحقق من صحة ما جاء من نصوص وتفهمها والإيمان بها وبما جاء فيها، إذا ثبت صحتها، من دون زيادة أو نقصان. ويحض الإسلام على التعلم وطلب العلم بلا حدود ويحث الإنسان على التفكر في الكون وما يحيط به.

يهدف الإسلام فيما يهدف، إلى إقامة مجتمع فاضل تسوده المحبة والعدل والإخاء والتضامن بين أفراده كافة، وتعاونهم على البر والتقوى، وسبيله إلى ذلك إصلاح الفرد أولاً بتربيته فكرياً وعقلياً ووجدانياً ونفسياً. ذلك أن المجتمع في نظر الإسلام، وفي الواقع، بنيان متكامل يتألف من أفراد من البشر، فإذا صلح الفرد صلح المجتمع وقوي، ونما وسار في طريق مثله العليا. ويؤكد ذلك ما هو معروف من سيرة الرسول e في سعيه لإقامة المجتمع الذي بعث لإرساء قواعده ورفع بنيانه، وهو ما أشار إليه الله تعالى في قوله: )هُوَ الّذي بَعثَ في الأُمِيِّنَ رَسولاً مِنْهُم، يَتْلو عَلَيهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِم وَيُعَلِّمُهُم الكِتابَ والحِكْمَةَ وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين( (الجمعة 2).

القيم الفردية والاجتماعية والإنسانية في الإسلام: انطلق الرسول e في الدعوة من تهذيب الفرد المسلم وتزكيته في العقيدة والأخلاق والسلوك، وإكسابه المفاهيم الإسلامية الصحيحة، حتى إذا ما كثر أصحابه وانضم إليه عدد من الأفراد المدركين لهذا المفهوم الجديد، أقام مجتمعه المسلم في المدينة المنورة، وغرس فيه كل ما من شأنه بناء مجتمع فاضل مؤمن. وقد أشار القرآن الكريم إلى كثير من صفات هذا المجتمع مثل قوله تعالى: )وَالُمؤِمنونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهُم أَوْلِياءُ بَعْض، يَأْمُرونَ بِالَمْعروفِ، وَيَنْهونَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيُقِيمُون الصّلاة، وَيُؤْتُونَ الزَّكاة وَيُطيعُون اللَّه وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ، إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (التوبة 71)، وقوله: )واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَميعَاً وَلا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُروا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُم، إِذْ كُنْتُم أعداءً فألَّفَ بَيْنَ قُلوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وكُنْتُم عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنها، كَذلِكَ يُبَيِّن اللّهُ لَكُم آيَايِهِ لَعَلَّكُم تَهْتَدون( (آل عمران 103)، وقوله كذلك: )وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِم، وَلَوْ كانَ بِهِم خَصَاصةٌ( (الحشر 9). ومن الأحاديث الصحيحة التي تشير إلى هذا الموضوع قول النبي e «مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»، وقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». وقد أوجب الإسلام على كل مسلم أن يهتم بأمر مجتمعه، فلا يكون سلبياً غير مبال بما يحدث فيه، بل يجب عليه أن يكون فاعلاً، داعياً إلى الخير، مدافعاً عن الجماعة، مجاهداً بماله ونفسه، وباراً بوالديه وأهله وأقاربه وأصدقائه وجواره، كيّساً فطناً، وألا يغشّ ولا يكذب، وأن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه، متسامحاً في بيعه وشرائه وتعامله.

وقد بين الإسلام بوضوح علاقة الفرد بالمجتمع وعلاقة المجتمع بالفرد من أجل إقامة مجتمع تتوازن فيه الحقوق والواجبات، مع ترجيح مصلحة الجماعة على مصالح الأفراد، من دون إلغاء لتلك المصالح، وحدد الأسس التي يجب أن يبنى عليها المجتمع المطلوب، والسلطة التي تدير شؤونه وترعى مصالحه، وقد خاطب القرآن المسلمين بقوله: )وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ وَالتَقْوى وَلا تَعاوَنُوا على الإِثْمِ وَالعُدْوانِ، وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابَ( (المائدة2) وحث المسلم على الالتزام بمجتمعه، فلا ينأى عنه، أو ينفرد من دونه، وهذا ما ذهب إليه الحديث الصحيح: «عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» وفي المقابل فقد أوجب الإسلام على المجتمع أن يرعى أفراده، ويحميهم، ويمنع عنهم العدوان من الداخل والخارج، وأن يضمن لأفراده كافة، مسلمين وغير مسلمين، حرية الاعتقاد والقول البنّاء، وأن يصون أنفسهم وأموالهم، وأعراضهم، ويساعدهم على النهوض والترقي في العلم والعمل النافع، ويترك لهم الحرية في كل عمل مفيد من تجارة وصناعة وزراعة، مالم يُسأ استعماله، وأن يسد حاجة الفقير  والمعوز وابن السبيل حتى يبلغ مقصده. كذلك أوجب الإسلام الضرب على يد كل عابث بالمجتمع وأمنه وسلامته. وضَرَب الرسول مثلاً على ذلك إذ شبّه المجتمع وأمنه وسلامته بالسفينة  فلا يحق لأحد أن يعرّض سلامتها للخطر، فإن حاول ذلك وجب على الركاب منعه وإن لم يفعلوا هلكوا جميعاً.

ورسالة الإسلام إنسانية النزعة توحيدية، موجهة إلى البشر كافة،  لا تفرِّق بين أحد منهم، لأنهم إخوة مهما يكن انتماؤهم إلى جنس أو شعب أو قبيلة أو أسرة أو لون أو لغة، أو منطقة محددة من العالم. فكل البشر من أب واحد وأم واحدة، ولا يميز أحدهم من الآخر إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، بصريح قوله تعالى: )يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعوباً وَقَبائِل لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُم( (الحجرات 13). والإسلام يدعو إلى نشر العقيدة بين الناس كافة من دون إكراه، لأنه: «لا إكراه في الدين» (البقرة 256)، ولأن الإكراه لا يفيد العقيدة في شيء، وهو يرسِّخ النفاق والمراءاة بين المكرَهين، ويزيد في عنت المكرِهين وتسلطهم، وهو محرم في الإسلام. وقد حدد القرآن سبل الدعوة إلى الإسلام بقوله: )اُدعُ إلى سَبِيل رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَة وَجادِلْهُم بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ( (النحل125).

تبرز النزعة الإنسانية في الإسلام في نظرته إلى السلم والحرب، فالسلم ومنع التعدي هما الأصل في العلاقات بين البشر أفراداً وجماعات، وقد حث القرآن المسلمين على السلم والمبادأة بالعمل الصالح دفعاً للخصومة، وعلى إفشاء السلام بين الناس، حتى غدت عبارة «السلام عليكم» شعار المسلمين في كل مكان. فقد قال الله تعالى: )يا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا ادْخُلوا في السِّلم كافَّةً، وَلا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنّهُ لَكُم عَدُوٌ مُبِينٌ( (البقرة 208). أما الحرب فحالة استثنائية لم يؤذن بها إلا لرفع ظلم أو ردّ أذى، لقوله تعالى: )أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأَنَّهُم ظُلِمُوا وإِنَّ اللّهَ على نَصْرِهِم لَقَديرٌ( (الحج 39)، وقوله: )وَقاتِلُوا في سَبِيل اللَّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدينَ( (البقرة 190)، وفي هاتين الآيتين تصريح بأن الحرب الدفاعية مشروعة، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن جميع الآيات الواردة في القرآن بوجوب القتال والحث عليه محمولة على هذا المعنى، ومن ذلك مثلاً الإذن بالمبادأة بالحرب إذا ما ظُنّ بالعدو غدر، أو أنه يتأهب لغزو المسلمين وبلادهم، وهذه حرب وقائية مشروعة أيضاً. ولما كان للحرب أوزارها وأثرها العميق في المجتمع فقد حصرها القرآن في أضيق نطاق، وأحكام الحرب مبثوثة في كتب الفقه، وفي مقدمتها معاملة الأسرى، ومنع تجاوز الحد في قتل غير المقاتلة أو إتلاف الزرع والضرع، أو هدم البيوت ودور العبادة وغيرها. وقد أوجب القرآن على المسلمين الجنوح إلى السلم إن جنح العدو لها بقوله: )وَإِنْ جَنَحوا لِلسَّلْم فاجْنَحْ لَها وَتَوكّلْ على اللّه، إِنّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَليمُ( (الأنفال 61).

الدولة في الإسلام: الدولة هي السلطة التي ترعى شؤون المجتمع وتسوسه وتحميه وتوفر له الأمن في الداخل والخارج، وتحافظ على مقوماته المادية والمعنوية وتنميها بكل الوسائل المتاحة من تشريع وتوجيه وتربية وتثقيف ومراقبة، وهي تدافع عن مصالح المجتمع بالحزم والعزم، وبالعنف أحياناً، سعياً وراء توفير العيش الكريم لأفراده في ظل الأمن والاطمئنان والمحبة وحسن العلاقة من دون ظلم أو تعسف. والدولة أعظم مؤسسة عرفتها المجتمعات البشرية منذ أن تكونت هذه المجتمعات. ولم يخرج المجتمع الإسلامي عن سنة التطور هذه، فأقام دولته في المدينة، بعد أن هاجر الرسول e وأصحابه إليها، وأخذت هذه الدولة الناشئة تنمو وتتسع وتشرع في الأمور العامة والخاصة لتكيف المجتمع مع الرسالة التي جاء بها الإسلام من تعليم وتهذيب وتنظيم وإعداد مادي ومعنوي. وكان لظهورها أثر بالغ في تاريخ الأمة العربية والبشرية كلها، إذ كانت أول دولة تقوم على عقيدة واضحة الفكر، سديدة النظر إلى الكون والحياة البشرية، وتبين الأسس التي يجب أن تبنى عليها العلاقات بين الناس.

وللدولة في الإسلام قواعد بينتها أحكام القرآن والسنة توضح نوع الحكم وسلطات الحاكم وعلاقته بالمحكومين، سواء أكانوا من المؤمنين برسالة الإسلام أم لا، وكذلك علاقة المحكومين بالحاكم وحقوق كل منهم وواجباته، وعلاقة الدولة بمن خالفها في عقيدتها وبالدول المجاورة لها.

والشورى: هي الركن الأساسي الذي تقوم عليه الدولة في الإسلام بالاستناد إلى قوله تعالى مخاطباً الرسول: )وشَاوِرْهُم في الأَمْر( (آل عمران 159)، وقوله في وصف المؤمنين: )وَأَمْرُهُم شُورى بَيْنَهُم( (الشورى38). والقصد من الشورى هنا، كما ذهب بعض المفسرين، هو الأمر المتعلق بشؤون الحكم والشؤون العامة كالحرب والسلم والعهد والصلح ومعاملة الأسرى وفدائهم ومبادلتهم، وتوزيع الغنائم وتحديد مستحقيها، إلى ما هنالك من أمور أخرى بيّنها القرآن وفصّلتها السنة واجتهادات الخلفاء الراشدين والأئمة والعلماء.

ورئيس الدولة في الإسلام يعين بالانتخاب الحر من دون إكراه، فإن تم انتخابه على هذا النحو وجبت طاعته في المعروف على كل المواطنين، مسلمين أو غير مسلمين، ولا طاعة  له في معصية الخالق. وهو رئيس مقيد بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه، وليس له امتيازات خاصة، فهو يخضع للقوانين وللقضاء مثل بقية الرعية، ويمثل أمام المحاكم بنفسه، أو ينوب عنه وكيله في الأمور التي يجوز فيها الوكالة، ويتقاضى من خزينة الدولة راتباً، في مقابل تفرغه لإدارة شؤونها، في حدود الكفاية، من غير إسراف في إنفاق الأموال العامة، وهو رأس السلطة في الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وله أن يعين من يراه كفواً لمساعدته في شؤون البلاد.

وللقضاء في الإسلام حصانة واستقلال عن السلطة التنفيذية، يحكم بما يقتضيه الشرع والقوانين المستمدة منه، وقضاؤه نافذ لا يجوز إيقاف تنفيذه أو تأخيره أو نقضه إلا من سلطة قضائية أعلى.

والأصل في القضاء في الإسلام أن يكون موحداً فلا تعدد فيه، وهذا لا يمنع أن يكون ثمة محاكم متخصصة تنظر في بعض القضايا من دون بعضها الآخر، وللقضاة راتب يغنيهم عن التطلع إلى ما في أيدي الناس من أموال، وهم متفرغون للقضاء فلا يجوز لهم الانصراف عنه إلى أي شأن آخر من تجارة أو صناعة أو زراعة.

المال في الإسلام: المال هو كل شيء فيه منفعة للإنسان يمكن حيازته، وينظر الإسلام إلى المال على أنه مال الله الخالق، لأن من يخلق شيئاً يملكه ويتصرف به كيف شاء، ويؤكد القرآن هذه النظرة في عشرات الآيات ومنها قوله: )لِلّهِ مَا في السَمَاوات وَمَا في الأَرْض( (البقرة 284) وتؤكد الأحاديث النبوية هذه المسألة تأكيداً جازماً. ولما كان كل مافي السماوات والأرض ملكاً لله تعالى، فإن الله يُملِّك ما يشاء لمن يشاء من عباده، وقد ملّك الإنسان كل ما يحتاج إليه للاستمرار في البقاء على الأرض، وسخّر له الطبيعة ليستفيد منها وليواصل مسعاه فيها لقوله تعالى: )وَسَخّرَ لَكُمْ ما فِي الّسموات وما في الأرض جميعاً منه( (الجاثية 13)، وقوله: )هُوَ الّذي جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ ذَلولاً فَامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِه( (الملك 15). ولما كانت الطبيعة مسخرة للإنسان، فهو يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه، في الحدود التي رسمها الله له، ووفق شروط التمليك والتصرف التي أمر الله بها، أو نهى عنها، فإذا تعدى الإنسان تلك الحدود، فإنه يحرم من هذه الملكية، إما حرماناً قطعياً، أو بفرض الرقابة على تصرفاته، وفي ضوء ذلك فرضت التشريعات الإسلامية القوامة على أموال المبذر والسفيه والمفلس والمجنون والمعتوه والشاب والفتاة قبل الرشد، يتيمين كانا أو غير يتيمين، وهذا واضح في قوله تعالى: )وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاء أَمْوالَكُم الّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً، وَارْزُقُوهم فِيها وَاكْسُوهُم وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً( (النساء 5).

وإذا كانت أموال السفهاء في الآية المذكورة قد أضيفت إلى المسلمين، فإن في ذلك دلالة على أن المال الذي في حوزة الفرد يكون مآله إلى الجماعة، فهو متداول بينها، وهي مستخلفة فيه فلا يجوز تبديده وإساءة التصرف فيه.

ويأبى الإسلام أن تتكدس الأموال في أيدي فئة من الناس من دون أن يتداول بينهم، فحّرم الربا بجميع أنواعه وأباح البيع والإجارة والمصانعة والمزارعة، وسن أحكاماً تبين التزامات كل طرف فيها، كما سن أحكاماً لانتقال الملكية بالإرث أو الوصية أو الهبة، وأشار إلى أن القصد من ذلك توزيع الثروات توزيعاً عادلاً، فلا يحتكرها الأغنياء ويحرم منها الفقراء، ولم يسمح للمسلم أن يتنازل عن كل ماله، لأي جهة كانت، أو يترك نفسه وزوجه وأولاده محتاجين، عالة على الناس، فحّرم الوصية بأكثر من ثلث ما يملكه المسلم، وورد في الحديث النبوي أن الوصية بأكثر من الثلث غير نافذة وأن الثلث كثير، وأنه خير للمسلم أن يترك ورثته ميسورين من أن يتركهم فقراء يتكففون الناس، وفي المقابل لم يسمح الإسلام للورثة ولا للموصى له بأخذ حقه من الإرث قبل أن يؤدي ما على المورِّث من دين بعد نفقات التكفين والتجهيز، وقد بلغ الحرص بالرسول e على ذلك درجة تأخير دفن الميت حتى سداد ديونه، فإن لم يَكْفِ مالديه من مال يتولى السداد بيت مال المسلمين  لبراءة ذمة الميت تجاه الآخرين، وليس في ذلك مغالاة في أداء الحقوق، لأن للغارمين حقاً في بيت مال المسلمين الذي من موارده الزكاة.

والأصل في الإسلام حرية تملك الأموال إلا ما حرمه الشرع بنص وهو قليل جداً بالنسبة إلى المباح، وهذا يعني أن الإسلام أخذ بمبدأ الحرية الاقتصادية، فالأصل في الأشياء الإباحة بحسب القاعدة الفقهية. وقد أوجب الإسلام الإيفاء بالعقود والعهود بنصوص صريحة ومنها عقود البيع والشراء والإيجار والاستئجار والتصنيع والمزارعة والمساقاة والتعهدات والاستثمار والنقل والشراكة وعقود التعهد بالتأليف والإنفاق على العلم والعلماء وإنشاء المدارس والمشافي والأوقاف وغيرها. وحرم الإسلام نزع الملكية فردية كانت أو جماعية، إلا إذا كانت ثمة ضرورة يقررها أهل الحل والعقد، وذلك كله من أجل المصلحة العامة، كشق الطرق أو إقامة الحصون أو إقامة مساكن للمشردين في الكوارث الطبيعية أو الحروب أو لإيواء الفقراء والمساكين. وقسم الإسلام الأموال إلى عامة وخاصة، فالأموال العامة تعود إلى الدولة ومؤسساتها، أما الأموال الخاصة فيملكها أفراد أو جماعات، وكلها مصونة بأحكام وتشريعات، وهذا التقسيم يعني أن الإسلام أقر مبدأ وجود ما يعرف اليوم بالقطاع العام والقطاع الخاص في الأموال، ولكل منهما حكمه وحدوده، وسمح بانتقال الأموال من القطاع العام إلى الخاص وبالعكس بحسب الضرورة أو الحاجة أو المصلحة العامة، وعدّ الإسلام من أموال القطاع العام كل مافيه منفعة عامة، كالأحراج، والبحيرات والأنهار، والطرق العامة، والقلاع والحصون، والسكك الحديدية والمطارات والموانئ، والجسور والترع، ودور العبادة والمقابر، والساحات والحدائق العامة والمراعي إن لم يكن لها مالك، ويكون هذا القطاع بإشراف الدولة ومؤسساتها، وجعل الإسلام مادون ذلك قطاعاً خاصاً لا شأن للدولة فيه سوى الرقابة، والحفاظ عليه، وتنشيطه وتنظيمه عند الحاجة، ويديره الأفراد والجماعات (كالشركات) بحرية تامة ما دامت لا تمس حرية الآخرين، وتفصل الدولة عن طريق القضاء أو اللجان أو ما إلى ذلك في الخلافات التي تنشأ في هذا المجال، وكل ذلك مفصل في كتب الفقه.

المرأة في الإسلام: المرأة في الإسلام صنو الرجل في الحقوق والواجبات كما جاء في قوله تعالى: )يا أَيُّها الناسُ اتقوا رَبَّكُم الذي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ منها زَوجَها، وَبثَّ منهما رجالاً كثيراً، ونساءً( (النساء1) وقوله سبحانه: )يا أَيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْناكُم شُعوباً وَقَبائِل لِتَعارَفوا( (الحجرات 13) وقال الرسول الكريم: «النساء شقائق الرجال»، فالبشرية في نظر الإسلام وفي الواقع منبثقة مناصفة من الرجل والمرأة، وهذا يعني أنهما صنوان في الأمور الدينية والدنيوية لا فرق بينهما إلا فيما اقتضته طبيعة كل منهما. ففي الأمور الدينية تتحمل المرأة المسؤولية كاملة كالرجل في الثواب والعقاب، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: )إِنّي لا أُضِيْع عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِنْ ذَكَرٍ أو أنثى، بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ( (آل عمران 195) وأما من الناحية الدنيوية فللمرأة شخصيتها القانونية المستقلة شرعاً، مثلها مثل الرجل، سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، في كنف والدها أو أهلها من إخوة أو أعمام، فيحق لها، إذا بلغت سن الرشد، أن تتصرف بأموالها إيجاراً أو بيعاً وشراء ومشاركة، وما إلى ذلك، بإرادتها الحرة من دون أن يكون لأحد سلطان على تصرفها. وأوجب الإسلام على الوالد أو الإخوة الإنفاق على المرأة، ما دامت غير متزوجة، وإن لم يكن من ينفق عليها تتولى الدولة في الإسلام الإنفاق عليها كما تنفق على غيرها من المحتاجين، أما إذا كانت المرأة متزوجة فتقع نفقتها ونفقة أولادها على الزوج ولو كانت ثرية. وهذه الرعاية التي أولاها الإسلام للمرأة إنما تهدف إلى صيانتها خشية أن تضطرها الحاجة إلى التبذل في كسب معيشتها، ويقابل هذا الواجب حق للرجال في أن يرث الذكر ضعف نصيب المرأة من أموال آبائهم وأمهاتهم ومن لهم من إرثهم نصيب، فتتوازن بذلك الحقوق والواجبات، وثمة حالات قليلة يتساوى فيها نصيب المرأة والرجل كالإرث في بعض حالات الكلالة، وفي حق الانتفاع بالوقف الذري إذا اشترط الواقف تساوي الذكر والأنثى.

والزواج في الإسلام عقد مدني، لا يخضع لمراسم دينية محددة، ويتم بموجب عقد يكفي فيه رضاء الطرفين (الزوجين) رضاء صريحاً أو ضمنياً، في بعض الحالات مع الإشهاد.

وأوجب الإسلام على الرجل أن يقدم لمن يرغب في زواجها مبلغاً من المال يسمى في العرف الإسلامي «مهراً» أو «صداقاً» لتأليف قلب الزوجة وخطب ودها، ولا يحق للزوج، في حال الفراق، أن يأخذ من هذا الصداق شيئاً، بالغاً مابلغ، وكذلك الهدايا التي يقدمها الزوج لزوجه بنصوص صريحة في القرآن الكريم، ويستثنى من ذلك إذا كان الفراق نتيجة مشاقة أو خيانة من المرأة أو طلبٍ منها لعدم الوفاق، إذ يمكن في هذه الحال أخذ شيء مما قدمه الزوج.

والزواج في الإسلام قائم على المحبة والأُلفة والرحمة والود والتعاون لقوله تعالى: )وَمِنْ آياتِهِ أَنْ جَعَلَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُم أَزْواجاً لتَسْكُنوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً( (الروم21). ولكن قد ينشأ خلاف بين الزوجين لا يتمكنان من حله فيعرض على محكَّمَيْن، فإن استعصى الحل واستفحل الخلاف، يلجأ الزوجان أو أحدهما إلى القضاء، ليفصل بينهما في ضوء الأحكام القرآنية والسنة النبوية.

وللحياة الزوجية مكانتها في الإسلام، فلا يجوز أن يسيء أحد الزوجين إلى الآخر بقول أو فعل، وقد أمر القرآن الزوج خاصة أن يعاشر زوجه بالمعروف، وقد أوصى بأن يتجاوز الرجل عن بعض مايكره في زوجه، فلا يتعسف في استخدام حقه في الطلاق أو غيره من الحقوق. ويحق للمرأة عند عقد قرانها أن تشترط شروطاً ترى فيها مصلحة لها كأن تشترط البقاء في بلدها، أو أن لا يتزوج زوجها امرأة أخرى مادامت على عصمته.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإسلام، وإن أباح الزواج بأكثر من امرأة في آن واحد فقد ندب القرآن، بصريح العبارة، إلى الاقتصار على زوجة واحدة، فتكون الإباحة على هذا النحو حلاً لمشكلات استثنائية كعقم الزوجة، أو مرضها أو كثرة عدد النساء بالنسبة إلى عدد الرجال بسبب الحروب أو غيرها.

والأصل في الإسلام أن تنصرف المرأة إلى تربية أولادها ليكونوا أعضاء صالحين في المجتمع، وأن تهيء لرجلها البيت السعيد المريح، بيد أنه ليس في الإسلام ما يحول دون المرأة أن تتعلم كل علم نافع في أمر دينها ودنياها، وتستطيع أن تطلب العلم خارج بيتها، وأن تلتحق بالمدارس والجامعات، وأن تحضر الندوات والمحاضرات، وأن تحضر الصلاة المفروضة في المساجد بإذن وليها، وأن تؤدي فريضة الحج على أن يصحبها محرم، ولها أن تبدي رأيها في الأمور السياسية والتشريعية والإدارية والتربوية، وأن تمارس حق المواطنة كاملاً بإذن من وليها من دون تعسف. وليس في الإسلام ما يحول دون المرأة وتولي المناصب العالية في الدولة أو أن تأخذ مكانها في الفاعليات الاقتصادية أو الإدارية أو تمارس مهنة من المهن.

والمرأة في الإسلام غير مكلفة بالجندية ـ أي الجهاد في سبيل الله ـ ما لم تكن  أرض المسلمين محتلة من أعدائهم، وفي هذه الحالة الأخيرة يكون الجهاد واجباً على الرجل والمرأة على السواء. ولها المشاركة في الجهاد لإسعاف الجرحى، ومساعدة المرضى، وتقديم المؤن ونحو ذلك من المهمات الإنسانية.

صلاح الدين الشاش

 

 


سعر المجلد الواحد 1200 ل.س

أو ما يعادلها من العملات الأخرى
سوريا - دمشق - البرامكة
2239716
:
فاكس
2239717
:
هاتف
2323457-
  2211166
962
: ص.ب
fikr@fikr.com
:
بريد الالكتروني
:
موقع الكتروني